|
إضاءات
من أكثر المفاهيم التي تسيطر على الحقول الثقافية والسياسية في عصرنا الحالي هو مفهوم الدولة، من حيث تاريخها ووجودها وأهمَّيتها ودورها ومصادر شرعيَّتها. ولا تكاد أيَّة إيدليوجيا أو نظرية سياسية تخلو من تبنِّي مفهوم محدَّد للدولة تشترك به مع إيدلوجيات أخرى في تبنِّي ذات المفهوم، أو تطبع مفهومها الخاص عن الدولة ولا يقتصر الأمر على الإيدلوجيات التي هي حديثة النشأة نسبيًا بطبيعة الأمر، بل الأمر أعمق من ذلك فهو حديث له جذوره في جوف التاريخ. وقد يكون سابقًا للتاريخ ذاته. فقد وجدت الدولة قبل وجود النظريات المؤسِّسة أو المفسِّرة لها. وقبل وجود الفلسفة ذاتها، لذلك فإنَّ النصَّ الفكري، أو الفلسفي إن شئنا، الذي ينطوي على تأصيل أو تفسير لمفهوم الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر وجد في كلِّ الفلسفات الكبرى. ولا يوجد تقريبًا مفكِّر أو فيلسوف إلا تحدَّث أو تفلسف قصدًا أو من خلال سبيله إلى بناء رؤيته ونظريَّته الفلسفية بشكل عارض عن الدولة وقدَّم لمفهوم يتَّفق أو يختلف به مع أقرانه في فهم ما يمكن أن نطلق عليه "شأن أو حقل الدولة" في النتاج الفكري لهذا أو ذاك من الفلاسفة القدامى والمعاصرين وأقرانهم من المفكِّرين في الشأن السياسي والاجتماعي.
ما معنى كلمة الإله في عبارة "مات الإله"؟ لا يمكننا في هذا الصدد الانطلاق من أي بداهة للإجابة عن هذا السؤال. لا يمكننا ذلك خصوصًا إذا كان الإله قد مات فعليًا. وكما يحدث مع الموتى الذين لم يعد قبرهم إلا شاهدة ممحية أو متربة، فمن المحتمل أن ذكرى هذا الذي يتعلق به الأمر تحت اسم "الإله" متوارية ومبددة ومهملة. هنا على أية حال يكمن الفرق كله بين مقولة "الإله غير موجود" والمقولة التاريخية والواقعية "مات الإله". المقولة الأولى، على شكل نظرية (كقولنا إنه لا وجود لعدد صحيح يعبر عن العلاقة بين ضلع المربع وقطره)، تفترض أن الإله عبارة عن مفهوم، ونظرية عدم وجوده التي يمكن البرهنة عليها بشكل لامتناه تعيد المعنى لهذا المفهوم في كل مرة. في المقابل تجعل مقولة "مات الإله" من الإله اسم علم، كما نقول عن الجد كاسمير دوبوا إنه مات، وذلك ربما من دون أن نفهم شيئًا خارج موته من هذه الفردية الحية اللامتناهية التي تنتظم تحت التركيب اللغوي المحكم "كاسيمير دوبوا".
تشير الكلمة اللاتينية sacer التي اشتق منها مصطلح sacred (المقدَّس)، إلى التمييز بين ما هو متعلق بالآلهة وما لا علاقة له بها. وفي أسلوب ليس بالبعيد عن هذا، فإن الأساس العبري لكلمة k d sh التي تترجم عادةً بـ Holy "القدسيّ"، يقوم على فكرة الفصل بين المقدَّس والمدنَّس فيما يتعلق بالإلهي. أيًا كان التعبير المحدَّد للمقدَّس، فإن هناك تقسيمًا ثقافيًا شاملاً إلى حدٍّ ما يشكل المقدَّس وفقًا له ظاهرةً مميزةً ومبجلةً ومختلفةً عن كل الظواهر الأخرى التي تشكل المدنس أو الدنيوي. مع ذلك، فإن هناك اعتقادًا قديمًا في الديانة الهندوسية يرى أن كلاً من المقدَّس والنجس ينتمون إلى مقولة لغوية واحدة. وهكذا، فإن الفكرة الهندوسية عن التدنيس ترى بأن المقدَّس وغير المقدّس ليسا بالضرورة متضادين تمامًا؛ بل من الممكن أن يكونا في مقولتين مترابطتين؛ فما هو طاهرٌ بالنسبة لشيء ما قد يكون نجسًا بالنسبة لشيء آخر، والعكس صحيح.
حبٌّ في حشا الغريب في شهر آب المنصرم، اشتد الحصار على إحدى مناطق ريف دمشق. يومها، وقبل أن يُدمَّر المكان، اعتلى القناصون سطوح البنايات المجاورة، وبدأت طائرات الهليكوبتر بإمطار منازل الأهالي بنيرانها. أحد الناشطين المعروفين في المنطقة، الذي لم يكن من البلدة المنكوبة، لم يستطع البقاء في منزله الآمن البعيد، فأصدقاؤه يُقتَلون! من أجل هذا، قرر الغريب التسلل إلى مكان الموت، ونجح بعد محاولات عدة في الوصول إلى المستشفى الميداني حيث تمَّ اسعاف الجرحى. سجَّل ليلتها اسماء سبعة عشر شهيدًا، ولا يزال أنين الجرحى الثلاثين الممددين على البلاط حيًا في ذاكرته. عند الخامسة فجرًا هدأت النيران قليلاً، فاغتنمت العائلات الفرصة للنزوح إلى حدائق دمشق هربًا من الموت المقبل. ساعد ناشطو الحي، ومعهم الغريب، الأهالي بالفرار، لكن شعور العجز أمام فداحة المشاهد كان أشد قسوةً من أن يستطيع صديقنا احتماله، لكن ما العمل؟ لم يبق عند الشاب المسكين نقودٌ يساند بها الأهالي، فقد أعطى القليل الذي عنده حتى القرش الأخير!
كانت الشمس توشك على المغيب عندما التقيت جورج طرابيشي على "شاطئ القرم"، حيث زرقة المحيط تعطي انطباعًا بأن أفق التفكير مفتوحًا على مصراعيه، وأن "البحر" يتسع للجميع لخوض غمار تفاصيله. فيما كانت حمرة الشفق تنعكس فوق صفحة مياه المحيط منذرة بأنه حتى جمال الزرقة يمكن أن تخالطه صعاب جمة. ورغم أن جورج طرابيشي السوري المولد الفرنسي الإقامة منذ عقود، يخرج من صومعته الباريسية لأول مرة منذ عقد ونصف إلا أنه بدا إنسانًا اجتماعيًا بامتياز، حاضر البديهة والابتسامة، ومستعدًا للحوار مع الجميع. دار الحوار الذي حضره مجموعة من الأصدقاء حول محورين اثنين: المحور الأول "ربيع العرب" خاصة وأن طرابيشي اشتغل طويلاً على فكرة الدولة وتحولاتها من حلم الدولة القومية إلى واقع الدولة القطرية. وكذلك محور مشروعه في نقد نقد العقل العربي الذي جند جهده فيه للرد على المفكر محمد عابد الجابري، وهو الموضوع المثير، والذي تابعه المثقفون العرب على مدى قرابة نصف قرن. "شرفات" التقت طرابيشي الذي زار السلطنة قبل أيام بدعوة من صالون سبلة عمان الثقافي فكان هذا الحوار الطويل الذي نتمنى أن يكون إضافة إلى مشروع شرفات في حواراته مع مجموعة من كبار المفكرين في الوطن العربي أمثال محمد أركون، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وهاشم صالح.
عاد الحديث عن يهود مصر في الآونة الأخيرة، ليتردد صداه في مختلف وسائل الإعلام. في نهاية العام الفائت، خرج نائب رئيس حزب "الحرية والعدالة" بتصريح طالب فيه يهود مصر بالعودة من إسرائيل إلى موطنهم الأصلي، واتهم بخفة عبد الناصر بطردهم من البلاد. أثار هذا التصريح عاصفة من الردود، وأشار الكثيرون إلى الدور الذي لعبه "الإخوان" في خروج اليهود من مصر. بعدها، أعلنت الصحافة عن فيلم تسجيلي طويل من اخراج أمير رمسيس يتناول تاريخ اليهود المصريين في النصف الأول من القرن العشرين، والموقع الذي احتلُّوه في البلاد على الصعيدين المجتمعي والسياسي. خرج الفيلم إلى صالات العرض في الشهر الماضي، وحاز إقبالاً جماهيريًا فاق كل التوقعات.
لأن شغفي الوحيد هو السعي إلى النور،
تعلَّم أن تكون أكثر ذكاءً. 1 لأني في نهاية المطاف لا أبحث إلا عن مخرج إنساني، يعطي كلِّ ذي حقٍّ ما شاءت له الألوهة من حقِّه المفترض، ويحافظ على ما نستحقه من هذه الأرض المقدسة؛ تراني في هذا السياق أواجه، منذ البداية، إشكالية فكرية وأخلاقية تقول أني أصبحت أتحدَّث عن حقوق نسبية عوضًا عن تلك المطلقة والأزلية التي أؤمن بها. كما أصبحت أتحدث عن بقايا بلد مدمَّر نسعى جاهدين للحفاظ عليه، ما يعني أني أصبحت شبه يائس، إن لم أقل متشكك، أنه بوسعنا الحفاظ عليه موحدًا. لأنه، وكما قالت سيمون ﭬايل:
قد أختلف معك بالرأي... لكني على استعداد مقدمـة: قبل الدخول في صلب موضوعنا، لابد من إعطاء فكرة عن طبيعة النظام الذي بدأ بالتشكل في سوريا منذ انقلاب الثامن من آذار 1963 والتصفيات الداخلية المتكررة التي جرت ضمنه، إذ أن أطيافًا متعددة من المعارضات التي ظهرت خلال الفترة المعنية كانت نتيجة مباشرة لتلك التصفيات، فكل فصيل أو رمز من رموز السلطة تمت إزاحته عن مواقعه انقلب بالضرورة إلى فصيل و/أو رمز معارض، هذا طبعًا إلى جانب فصائل وشخصيات أخرى عارضت الانقلاب ووقفت ضده منذ البداية.
أيقونة أخرى للحرية التونسية في عيد ميلادها... يبدو أنَّ السؤال عن الحرية لم يعد ممكنًا في لغة المفاهيم الناعمة من قبيل "ما هي الحرية"؟ أو "أين تبدأ حريتك وأين تنتهي"؟ أو"الحرية: هل هي معطى طبيعي أم مكسب مدني"؟ إلخ من أنواع الأسئلة التي تعوَّد التقليد الفلسفي والأكاديمي والنظري على إتيانها. في هذا السياق التاريخي الذي نحن فيه الآن في البلاد العربية بعد ثورات الربيع العربي، ربما من الأنجع أن نأتي سؤال الحرية من وجهة مخصوصة: فنتحوَّل عن سؤال "ما هي الحرية"؟ إلى سؤال "ما ثمن الحرية"؟ ويبدو أنَّ ثمن الحرية في ثقافتنا هو ثمن باهظ جدًا تراوح في كلِّ مرَّة بين الاضطهاد والاغتيال، وبين سجون الطغاة والقتل غدرًا برصاصات لا تفكِّر بأسئلتنا العفوية بل تعمل بضغط عاجل من أجل قتل فاجع... كلُّ الذين استشهدوا من أجل الحرية قد دفعوا دمائهم ثمن إمكانية إبداع شكل أكثرًا عدلاً من الحياة المشتركة... كل من وقع اغتياله في معارك الحرية قد دفع روحه ثمن وجه أجمل للوطن... كلُّ اغتيال للحرية هو لحظة حداد عليها.
ما برح وضع النساء العربيات في مجتمعات تنشد التحديث والانفتاح على جميع الأصعدة وتتشبَّث بمنظومة العلاقات التقليدية بين الجنسين وضعًا مثيرًا للجدل وجديرًا بالتحليل والنقد. وينطبق هذا الوضع على ما وسمه الأستاذ عبد المجيد الشرفي بحالة الانتماء المتأزم، وهي أيضًا حالة الخطاب النسوي العربي انطلاقًا من منتصف القرن الماضي لاسيما بالنظر إلى سيل الاتهامات التي تُوجَّه للنسويات إمَّا بالتبعية للغرب وتفسخ الهوية أو بالاستكانة والتمجيدية الفجَّة للخطاب السائد. ومهما كان نوع الحضور النسائي في المجتمعات العربية فإنه بات عرضة لهجمة مضادة يقودها الإعلام الدعوي، وهو إعلام يتبرقع المقدس من أجل بثِّ ثقافة كره النساء وإقصاء المرأة لتكون خارج مدار التاريخ. ذلك ما دفع الحركات النسوية اليوم إلى رفع نسق الاحتجاج والعمل على جوهرة ثقافة المواطنة والمساواة بين الجنسين. ولا مراء أنَّ هذا المسعى يحتاج إلى الفكر النسوي، وإن اختلفت مساراته ومرجعياته، حتى تكون لهذه الحركات أرضية معرفية كفيلة بمجابهة العتاد الثقافي الأصولي من جهة ورؤية دقيقة ومتعدِّدة الزوايا عن مختلف الأوضاع التي تعيشها النساء في المجتمعات العربية.
|
|
|