الفصل الثامن- بدايات عملية متعثرة: آ - رح نبني سد الفرات... الفصل السابع: سنوات الصخب - آ: الجامعة والرفاق والآخرون3

ب

الجامعة، الرفاق و... الآخرون (4)

طائر الليل:

En ce temps-là, j’étais crédule

Un mot m’était promission

Et je prenais les campanules

Pour les fleurs de la passion.

في ذلك الزمان، كنت ساذجًا

ومجرد كلمة كانت تعني لي وعدًا،

فالتبستْ عليَّ أجراسُ الحقل

بأزهار الهوى.

لويس أراغون

 

كان تحليل الحزب الشيوعي السوري لهذه الحرب الكارثة ملفتًا للنظر.

فيه جاء أن مما لا ريب فيه أنه قد "... أصيبت الحركةُ التحررية العربية بنكسة أليمة بسبب هذا العدوان الغادر المفاجئ..."، ولكن "... مازال ميزان القوى على المسرح العالمي في صالح قوى الاشتراكية وقوى التحرر الوطني والاجتماعي...". والبرهان على ذلك أنه "... رغم النجاح العسكري المؤقت، لم تحقق [هذه الحرب، وإسرائيل من خلالها] الأهداف المرسومة لها، وهي سحق الحركة الوطنية التحررية العربية، وضرب الصداقة العربية السوفييتية، وقلب أنظمة الحكم العربية القائمة...".

وكان هذا التحليل، الذي يبدو اليوم مسطَّحًا، مرعبًا حقًّا. بمعنى أننا لم ندرك، لأول وهلة، كامل أبعاده التي سخَّرها الحزب الشيوعي السوري للدفاع عن السوفييت والتستُّر على مسئوليتهم، أولاً؛ وللدفاع عن الأنظمة القائمة وعن هزيمتها، ثانيًا؛ ولأنه أنهى أخيرًا – وهذا هو الأهم – على أرض الواقع النظري، القضية الفلسطينية لصالح قضية جديدة أخرى، صار اسمها منذ ذلك اليوم – ولم يزل – قضية "إزالة آثار العدوان".

"لأنه لو كانت الحال هكذا، يا بابا، لما كان لزامًا منذ البداية كلُّ ما فعلناه وادَّعيناه وتحملناه من أجل فلسطين. على كل حال، لست أدري. ربما كان يجب منذ البداية السعي للتوصل إلى تسوية سياسية مع اليهود. أو، ربما، كان يجب مؤخرًا القبول بمقترحات بورقيبة الذي اتهمتموه بالخيانة...".

وسمعنا خلال تلك الفترة، من الإذاعات، أن سليم حاطوم (1351) كان حاول إبان الحرب التسلُّل إلى سورية مع بعض أعوانه؛ لكنه اعتُقِلَ وأعدمتْه السلطات.

ثم كان مؤتمر القمة العربي في آب 1967 في الخرطوم الذي رفض مبدأ أيِّ تفاوض عربي مع إسرائيل ما لم تنسحب من الأراضي العربية المحتلة (في تلك الحرب).

وكان القرار 242 الصادر عن الأمم المتحدة والقاضي بضرورة انسحاب إسرائيل من "أراضٍ" محتلة، وبحقِّ جميع دول المنطقة بحدود آمنة، وبحلِّ قضية اللاجئين الفلسطينيين – ذلك القرار الذي أيَّده الاتحاد السوفييتي، وقبلتْه مصر، ورفضتْه الحكومة السورية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وأيَّده الحزب الشيوعي السوري.

وأيضًا، لما كان "شرُّ البلية ما يضحك"، فقد كان للخامس من حزيران 1967 بعض الفائدة بالنسبة لي ولأمثالي من "الطلاب السياسيين". فعلى صعيد الجامعة تأجَّلتْ الامتحانات بعض الوقت، ثم جاءت الأسئلة في ذلك العام سهلة نسبيًا؛ مما مكَّنني من النجاح بسهولة إلى الصفِّ الثالث (أي قبل الأخير) هندسة.

"خلال ذلك الصيف، خطب صديقُك شارل (1352) زميلته في الصف، وفي كلِّية العمارة ...".

ونجح فاروق (1353) في امتحانات السنة الأخيرة في كلِّية الحقوق، وبدأ يتهيأ للذهاب إلى فرنسا التي غادَرَنا إليها مع نهاية عام 1967؛ كما غادَرَنا أيضًا إلى تشيكوسلوفاكيا مروان–جعفر (1354). وانقطعت أخبار رفيقنا (الشركسي) فتحي (1355) الذي سافر فجأة إلى تركيا...".

"لقد كان انقطاع أخبار فتحي (1356) مفاجئًا أليس كذلك؟"

-       فعلاً، فقد انقطع عن التنظيم الحزبي منذ الخامس من حزيران 1967. ثم أخبرونا، بلا تعليق، أنه غادر البلد إلى تركيا ليكمل دراسته، حيث استضافه أحد أعمامه. ولكني لم أكتشف حقيقة الموضوع إلا متأخرًا جدًّا، لأن ما نقله الرفاق لنا في حينه لم يكن، كالعادة، إلا جزءًا من الحقيقة. ففتحي كان أُبعِدَ عن التنظيم إبان الحرب بناءً على طلبٍ من البعث لحزبنا لأن والدتُه كانت "يهودية". فصُدِمَ المسكين، الذي كان من أشدِّنا إخلاصًا وحماسًا، لجحود رفاقه وحزبه وتنكُّرهم له، فغادر البلد.

ووصلتْني (بعد الحرب مباشرة) رسالة تضامُن من جان فرانسوا (1357)، أعرب فيها عن استنكاره للموقف المخزي للسوفييت خلالها. فأجبته طبعًا برسالة "بهدلة"، دافعت فيها، كما كان يوجِب خطُّ الحزب، عن الموقف الرائع للسوفييت، ذلك الموقف الذي أفشل المخططات الإسرائيلية الرامية إلى إسقاط الأنظمة التقدمية!

ثم بدأت تصلني، مُرسَلةً من جان فرلنسوا (1358) أيضًا، بعض المطبوعات السياسية، لأقصى اليسار الفرنسي، تعبِّر عن تضامنها مع قضية شعبنا؛ وخاصة مع العمل الفدائي الفلسطيني انطلاقًا من الأردن الذي كان الضجيج حوله يتصاعد.

"وكان استدعاؤك لهذا السبب إلى إحدى أقبية المخابرات للتحقيق...".

- الحقيقة أنهم اتصلوا أولاً بعمِّي رزق الله (1359) للاستفسار. فهذه المطبوعات كانت تصل إلى صندوق بريد العائلة (رقم 157 على ما أذكر) الذي كان مسجَّلاً باسمه؛ فأحالهم إليَّ. ثم اتصل مباشرة بوالدي (1360) وطلب منه أن أخفِّف من نشاطي الشيوعي لأن هذا النشاط بات بالنسبة له مزعجًا. فردَّ عليه والدي بحدَّة قائلاً:

-       نحن لم نكن نشتكي، يا رزُّوق، حين كانت المخابرات تزعجنا بالسؤال عنك أيام الشيشكلي!

فاعتذر عمِّي رزق الله (1361) من والدي (1362)، قائلاً إن طلبه هذا ليس إلا لصالحي، ولكي لا أتعرض للأذى.

ولبَّيتُ الدعوة بعد إخبار الرفاق، وذهبت إلى المركز المحدد الذي كان يقع قرب منزلنا، في حي الحبوبي، الذي أضحى اليوم مقر "رابطة خريجي الدراسات العليا". أُدخِلْتُ، بعد ساعة من الانتظار (التقليدي)، إلى غرفة الضابط المسئول الذي استجوبني حول مصدر هذه المطبوعات. فأجبتُه بأنها من منظمات فرنسية مؤيِّدة لقضيتنا. وحين سألني عمَّن يرسلها إليَّ أجبتُه بأني لا أعرف. وحين طلب إليَّ أن أزوِّدهم بنسخة منها أجبتُه أنْ لِمَ لا يصادرونها مباشرة! فأعجبه جوابي، وضحك، وطلب منِّي، بشكل غير مباشر، التعاونَ معهم. فرفضتُ طبعًا. ولما سألني عن سبب رفضي أجبتُه: لأني ملتزم، ولأن التزامي لا يجيز لي هذا. ثم دَرْدَشَ معي في السياسة بعض الوقت، قبل أن يُخلي سبيلي. فخرجت، وعدت إلى منزلي، حيث وجدت الأهل والرفيق يوسف فيصل (1363) شخصيًّا بانتظاري. فأخبرتُهم بما حدث، وبأني لم أتعرض لأيِّ ضغط يُذكَر؛ بل، بالعكس، كان "الشباب" لطفاء معي نسبيًّا.

ثم كان لي (1364)، في ذلك المساء، حديثٌ خاص مع والدي (1365) الذي قصَّ علي، بإيجاز، ما دار بينه وبين شقيقه رزق الله (1366) من حديث حول الموضوع. فموقف أبي في التضامن معي آنذاك كان أعجبني وفاجأني معًا. فسألته:

-       أنا أعرف، يا بابا، أنك لا تؤمن بالشيوعية التي أعتنقها أنا. فلماذا – وهكذا الحال – لم تستنكر موقفي كما فعل عمِّي رزق الله؟

ابتسم بحنان وأجابني:

"... غدًا، حين يصبح لديك أولاد يا أكرم، ستفهم أن أولادك هم أنتَ في النهاية. لذلك، ورغم أني أخالفك فيما تؤمن به عن قناعة، فأنت أنا يا بابا. وبالتالي، أنا شيوعي تجاه الآخرين لأنك أنت شيوعي، ولأني أعتقد أنك مازلت بحاجة إليَّ...".

كان هكذا في حينه سلوكُه (1367)، معي (1368) ومع إكرام (1369)، الذي عَكَسَه على الوالدة (1370)؛ وكذلك كان أيضًا سلوك عمِّي جورج (1371). وأعترف اليوم، بخجل، أنهم تحمَّلوا منَّا ومن "شيوعيَّتنا" الكثير جدًّا من السماجة والغلاظات، حيث، تحوَّل منزلُنا، دون أية مراعاة لمشاعر والديَّ وراحتهما، إلى شبه مقرٍّ ومنتدى للحزب الشيوعي السوري "العظيم". ففيه كانت تُعقَد العديد من الاجتماعات الحزبية، وحتى الجماهيرية.

-       جرى يومها اجتماع في منزلي للفرعية والكادر المتوسط من الجامعة، بمناسبة ذكرى ثورة أكتوبر. وقد حضره الرفيق يوسف فيصل (1372) الذي جاء ليتحفنا بحديثه السياسي الشائق. كان الحضور مؤلَّفًا من حوالى ثلاثين رفيقًا ورفيقة.

"وكانت حالة المنزل "قايمي قاعدي"، على حدِّ قول والدتي (باللهجة الحمصية). "فحين عدنا والدك (1373) وأنا (1374) من زيارتنا، كان رفيقكم سمير (1375) في المطبخ مع صديقته دعد (1376) يهيئون القهوة للحضور. ودخلت مباشرة إلى غرفتي حتى لا أرى ما حلَّ بالمنزل من فوضى بسبب اجتماعكم. أما والدك فقد بقي جالسًا في زاوية غرفة الجلوس، يتأمل الاجتماع عن بعد..."

-       ويتأمل ابنه البكر الذي افتتح هذا الاجتماع "الهام" بكلمة قصيرة تحدَّث فيها عن المناسبة، ثم قدَّمَ الرفيق يوسف فيصل (1377) الذي بدأ حديثه.

وأتذكر أني جلست بعد أن باشر رفيقنا يوسف الحديث. ولكن من طرف عيني كنت أتابع أبي الذي ظلَّ يتأملنا بعض الوقت مبتسمًا، قبل أن يدخل أيضًا إلى غرفته.

ثم عاد فخرج بعد حوالى الساعة، ولم يكن اجتماعنا قد انتهى بعد. فأشار إليَّ، ولبَّيته مباشرة، لتشوُّقي إلى سماع ما كان يريد قوله، وسألني ضاحكًا:

-       ألم تنتهوا بعدُ من تغيير وجه العالم؟

ضحكت وأجبته:

-       ليس بعد يا بابا. لكننا على وشك أن ننهي الاجتماع.

-       الله الموفق.

وسألتُه بعد انتهاء الاجتماع عن رأيه بما كان سمع من حديث لرفيقنا يوسف، فأجابني:

-       ليس من الصعب يا بنيَّ إقناع شباب متحمسين مثلكم. ولكنه لم يقنعني أنا، ربما لأني أصبحت اليوم كهلاً، أو لأنه ليس مقنعًا، أو لأن ما قاله لم يكن مقنعًا... لست أدري...

لأنه – والحق يقال – إن لم تكن قيادة الحزب الشيوعي مقنعة للمثقفين خلال معظم تاريخها، فقد وُجِدَ دائمًا في بلدنا، بين المثقفين، عمومًا، وبين أنصاف المثقفين، خاصةً، من اقتنع بعض الوقت بطروحاتها، كما كنت وكانت شقيقتي إكرام (1378) في تلك الأيام...

حين كنت مثالاً للرفيق المنضبط انضباطًا شبه عسكري. فلم أكن أتصل إلا بالمسئولين الذين حدَّدتْهم لي ولهيئتي قيادةُ الحزب. أما إكرام (1379) فكان وضعها مختلفًا. إذ سرعان ما لفتتْ شخصيتُها وثقافتُها (وقطعًا أنوثتُها وشبابُها) اهتمام الرفاق "القادة"، مما جعلها تتجاوز بسرعة هيئتها الحزبية الجامعية لتصبح على صلة مباشرة بالقيادة؛ الأمر الذي سبَّبَ لها، بالتالي، الكثير من الإشكاليات مع رفيقاتها في الجامعة، ومع نفس هؤلاء "القادة"...

"الذين كنَّا ننظر إليهم كقادة عن حقٍّ وحقيق. كنَّا "قابضينهم" (نأخذهم على محمل الجد)، كما يقال بالعامِّية الشامية...".

- لأنه لم يكن بوسعنا، في حينه، استنتاج سلبياتهم الكثيرة ومحدوديَّتهم المرعبة، رغم أنها كانت بادية للعيان. فها هي، على سبيل المثال لا الحصر، الرفيقة فلانة من منطقية دمشق، تكلِّف إكرام (1380) بترجمة كتيِّب فرنسي يحتوي عدة مقالات للينين "حول المرأة"، ثم تنشره باسمها هي، دون أيِّ ذكر لإكرام. وها هما الرفيقان القياديان "الثقال"، فلان وفليتان، يصبحان (لصالح القضية) من روَّاد منزلنا؛ مما تسبَّب لإكرام ولي وللعائلة ببعض الإشكاليات المزعجة التي لا مجال لسردها هنا.

"وأصبح قادة الحزب، وخاصة منهم الرفيق يوسف (1381)، يكلِّفون إكرام (1382)بمهام ترجمة نصوص حزبية "سرِّية"، من وإلى الفرنسية...".

-       فدار رأس الفتاة التي اعتقدت لبعض الوقت أنها أصبحت رفيقة مسئولة ومهمة. وأتذكر أنها، في حينه، أطلعتْني على تقرير كانت كُلِّفَتْ بترجمته إلى الفرنسية ويتحدث عن سيطرة "بعض المشبوهين"، برئاسة السيد جورج حاوي (1383)، على قيادة الحزب الشيوعي اللبناني، بالتعاون مع بعض "القادة الانتهازيين"، كالسيدين نقولا شاوي (1384)(الأمين العام) وأرتين مادويان (1385)(عضو المكتب السياسي)، وإبعادهم لمعارضيهم "المبدئيين" من الحزب ومن القيادة. كان التقرير عبارة عن رسالة موجَّهة إلى الأحزاب العربية الشقيقة من قبل اثنين من القادة الشيوعيين اللبنانيين المبعَدين، السيدين "المبدئيين" حسن قريطم (1386)وصوايا صوايا (1387)، على ما أذكر. وكان أهم ما جاء في هذا التقرير، وفاجأني، أنه يلمِّح إلى جهة "لا يرقى لها الشكُّ" (افهم أمنية روسية) كانت حذَّرتْهم من الصلات "المشبوهة" للسيد جورج حاوي (1388).

"كما عملت إكرام (1389)، في حينه أيضًا، سكرتيرة في السفارة البلغارية في دمشق...".

-       كان هذا أول عمل لها، وقد دبَّره لها الرفيق يوسف (1390). لكنها لم تستمر فيه سوى بضعة أشهر. وقد تحمستْ إكرام (1391) كثيرًا لدى البدء بعملها الجديد. كان معاشها 600 ليرة سورية، وكانت تتبرع بنصفه لـ"حزب الطبقة العاملة". ثم إنها سافرت، خلال عملها هذا، لمدة أسبوع إلى بلغاريا؛ وعادت من هناك وهي في أشد الحماس لما سمحوا لها بمشاهدته في هذا البلد الاشتراكي (العظيم) والأقرب إلى الروس!

وبدأت أبعاد الأزمة المستعصية والمستحكمة في ما كان يسمى بالمعسكر الاشتراكي "الجبار" تتكشف للعلن، عبر واقع صارخ يقول إنه إن لم تكن هناك أية وحدة في قلب هذا المعسكر، ولا في الحركة الشيوعية.

ففي 5 شباط 1968 كان عزل نوفوتني (1392)، الأمين العام للحزب الشيوعي التشيكي، من منصبه وتعيين ألكسندر دوبشيك (1393) بدلاً عنه.

وفي 8 شباط 1968 كانت مظاهرات طلابية، قمعتْها الشرطة، في بولونيا.

وفي 28 شباط 1968 كان انسحاب الوفد الروماني من اجتماع اللقاء الاستشاري للأحزاب الشيوعية والعمالية في بودابست احتجاجًا على ما تعرَّض له من هجوم من قبل خالد بكداش (1394).

وفي 5 نيسان 1968 كان نوفوتني (1395)، الأمين العام المُزاح للحزب الشيوعي التشيكي، يعترف للملأ بـ"... أن السنوات الأخيرة من حكمه كانت لطخة في تاريخ تشيكوسلوفاكيا..."، وكان دوبشيك (1396)، الأمين العام المُنتخَب الجديد، يعلن عن ضمانات ديموقراطية لمواطنيه تجاه عسف السلطات الاشتراكية، ويزور موسكو في 4 أيار ليطمئنها...

موسكو التي لم تكن لتخفي قلقها لما كان يجري في تشيكوسلوفاكيا، التي قادت قواتُها في 15 أيار 1968 مناورات عسكرية ضخمة لحلف وارسو.

"وكانت الوفاة المفاجئة لعمك رزق الله (1397) بالسكتة قلبية...".

اتصلوا بنا في ذلك المساء إلى المنزل، حيث كنَّا – لمحض الصدفة – موجودين جميعًا (ما عدا إكرام (1398))، وأخبرونا النبأ المحزن. فغادر أبي (1399) وأمي (1400) وعمي جورج (1401) المنزل مباشرة للالتحاق بمنزل رزُّوق (1402). أما أنا (1403) فقد اتفقت معهم على اللحاق بهم مع إكرام (1404) فور حضورها. وكان هذا ما حصل بعد نصف ساعة.

كان الجو في منزل عمِّي (1405) مؤثرًا. كان الجميع يبكي، وقد جلسوا حول زوجته (1406) وبناته وأبنائه (ما عدا كريم (1407) الذي كان في فرنسا). كان هناك أيضًا زوج ابنته ميمي (1408) (1409). فرزوُّق (1410) – رحمه الله – كان تصالح معها مؤخرًا وسامحها على فعلتِها، لا بل أصبح صديقًا لزوجها. ثم بدأ الأقرباء والأصدقاء يتقاطرون على المنزل. وأتذكَّر كيف كان الحضور يستمع إلى امرأته التي كانت تتحدث عن كيف وجدتْه ملقى على سريره ميتًا، وفي يده كتاب كان يقرأ فيه، حين ضحكت فجأة، وهي تشهق بالبكاء، وقالت:

-       كان "الملعون" يقرأ كتابًا غير لائق، لأنه كان يحب مثل هذه الكتب...

فذُهِلْتُ، وتأمَّلتُها بإمعان وشعرت، في تلك اللحظة بالذات، بتعاطف مع تلك المرأة التي لم أكن أحب، لأني لمست، في حينه، لثوانٍ، من خلال تلك الإشارة الطريفة، كم كانت محبةً لزوجها.

ويضحك الحضور ويبكون معها، لأنه، والحق يقال، تبيَّن لي يومها أن عمِّي رزق الله (1411) كان محبوبًا بين أقربائه وأصدقائه وزملائه. كانت جنازته بعد ظهر اليوم الثاني مهيبةً. لم يحضرها ابنه البكر كريم (1412) الذي لم يتمكن من العودة بالطائرة؛ ولكن حضرها العديد من أصدقائه من وجوه وشخصيات البلد، الذين أتذكَّر منهم خاصة زميله وصديقه المرحوم د. محمد الفاضل (1413) الذي بدا لي يومها شديد التأثر. وقد تمت الصلاة على روحه في كنيسة الصليب للروم الأرثوذكس في حيِّ القصاع. وكان البطريرك بنفسه يؤم القدَّاس، الذي حضره أيضًا مطران من طائفة الروم الكاثوليك وعدد من الكهنة؛ فزوجة رزق الله (1414) كانت كاثوليكية، كما سبق وأشرت. ثم أبَّنه البطريرك بنفسه، فأشاد، في سياق خطبته الجنائزية، بمزاياه وأخلاقه وعلمه قائلاً:

-       لقد كان رجل علم طوال حياته؛ فقد توفي وفي يده كتاب...

وابتسمتُ في حينه لثوانٍ، رغم تأثري. فقد مرَّ بخاطري ما قالته امرأة عمِّي (1415) حول الموضوع مساء البارحة، وفكرت:

-       آه لو تعرف يا سيدنا نوعية آخر كتاب كان يقرأ؟!

"لأننا بشر في النهاية، يا بابا؛ ولأني، أنا أيضًا، والدك الوقور، أستمتع أحيانًا بقراءة مثل هذا النوع من الكتب الخفيفة...".

كان هذا ما أجابني به والدي (1416)، حين فاتحته بالموضوع – والدي الذي حزن جدًّا لوفاة شقيقه الأكبر (1417)، كما حزنَّا جميعًا، وخاصةً إكرام (1418) وأنا (1419)...

" فقد باتت تربطني بعمِّنا (1420)، في تلك السنوات الأخيرة، علاقة صداقة متميزة وطريفة. أصبح يعيرني كتبًا من مكتبته الضخمة. وكان آخر ما أعارني إياه، وبقي لدينا بعد وفاته، مذكرات تشرشل. وقد بدأت علاقتي الجيدة به بعد أن ظهرتُ على شاشة التلفزيون في تلك الندوة التي كانت تناقش موضوع تأسيس "الاتحاد النسائي"، وتصديتُ بشجاعة لطروحات سعاد العبد الله (1421)، رئيسة الاتحاد آنذاك. فاتصل بي هاتفيًّا وهنَّأني على موقفي قائلاً: "لقد رفعت رأسنا يا إكرام (1422)!" ودعاني إلى زيارته في المكتب للنقاش، فلبَّيتُ دعوته...".

"كان لقائي هذا معه طريفًا ومعبِّرًا. فقد ضمَّني إليه حين دخلت، وقال لي وهو يضحك: "هكذا إذن! لقد أصبحت شيوعية يا حمارة!" ثم جلسنا نتحادث. فحدَّثني عن بكداش (1423) الذي وصفه بالـ"ذكي جدًّا"، وقال إنه "من المؤسف أن يكون مثل هذا الإنسان شيوعيًّا، لأنه، لو لم يكن كذلك، لكان اليوم من حكام البلد...". وحدَّثَني عن بعض قصصهما خلال وجودهما معًا في المجلس النيابي ما بين 1954 و1958، وكيف هاجمه بكداش بعد إلقاء بيانه حول ميزانية الدولة (خلال وزارة سعيد الغزِّي (1424))، وكيف ردَّ عليه عمُّنا الذي تعمَّد التوجُّه نحوه في نهاية الجلسة ليقول له: "أهنِّئك يا خالد (1425)، فقد كنت من القلائل الذين تمعَّنوا في البيان وفي الميزانية...".

"لقد كان عمُّنا (1426)، رغم أخطائه، إنسانًا كبيرًا يا أكرم (1427)."

وكانت في أيار 1968 الانتفاضة الطلابية الفرنسية التي كان موقف الحزب الشيوعي الفرنسي منها متحفِّظًا – تلك الانتفاضة التي جابهها ديغول (1428) برباطة جأش مكَّنته من أن يثبِّت، عبر الديموقراطية، سلطته التي تزعزعت بعض الوقت.

وكانت ضغوط "الأشقاء" تتصاعد على تشيكوسلوفاكيا المتمردة.

وكانت عمليات فدائية فلسطينية انطلاقًا من الأردن، وغارة إسرائيلية على مواقع الفدائيين في قرية السموع الأردنية. كما كان في تموز 1968، في القاهرة، انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني، الذي أصبح عرفات (1429) رئيسه، وإقراره ميثاقًا وطنيًّا ينصُّ على مواصلة النضال حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

وكانت إصابة رفيقنا خالد بكداش (1430) بنوبة قلبية حادة، ونقله إلى موسكو للعلاج.

ووقع في 30 تموز انقلاب يعيد السلطة في العراق إلى البعث "العفلقي"، برئاسة أحمد حسن البكر (1431) وقريبه صدَّام حسين (1432).

أما في آب 1968 فكان دخول قوات حلف وارسو إلى براغ، عاصمة تشيكوسلوفاكيا، يضع حدًّا لربيعها الذي دام بضعة أشهر؛ وكان تأييد الحزب الشيوعي السوري لهذا "العمل الرائع" الذي استنكره الحزبان الشيوعيان الفرنسي والإيطالي.

"اصطدمتُ يومها مع بسام (1433)، الذي استنكر، من منطلق ما أسمتُه أدبياتُنا الشيوعية بـ"حقِّ الشعوب في تقرير مصيرها"، دخول القوات السوفييتية إلى تشيكوسلوفاكيا؛ فتصديتُ له بحدة وأجبته:

-       إن هذا المبدأ يتلاشى أمام مصلحة الطبقة العاملة. وتلك المصلحة اقتضت، بالنسبة لتشيكوسلوفاكيا، تصحيح مسارها...

"ربما لأنه كانت بدأت تنطرح في أوساط الحزب، في حينه، "آراء غريبة" ذات طابع قومي و/أو يساري و/أو ليبرالي يميني...".

-       لم تكن الحال هكذا تمامًا. ولكن، في حينه، كانت بدأت بعض هذه المظاهر تتجلَّى بشكل خجول من خلال "اتحاد الشباب الديموقراطي"، الذي كان بسام (1434) في الجامعة مسؤوله العلني، بينما كنت أنا (1435) مسؤوله الفعلي من وراء الستار l’éminence grise؛ بمعنى أني كنت المسئول الحزبي للجنته القيادية، مما جعلني الكابح الفعلي لنشاط الرفاق في داخله. وكان الاتحاد منظمة جماهيرية، سرعان ما وجدت نفسها محطَّ جذب ولقاء للكثير من الشبان والشابات ذوي الأصول البورجوازية، مما جعله، كما كنا نتصور، مرتعًا للأفكار الليبرالية والقومية والطفولية اليسارية؛ وكان من الممكن أن يشكل تهديدًا بالقوة للتنظيم الحديدي والالتزام الحزبي البروليتاري المفترَض. وكان ممثل هذا الاتجاه من منظورنا، في حينه، هو صديق بسام، رفيقنا الآخر من كلية الطب، حازم (1436) - ذلك الذي كنت، نظرًا لتلك الأسباب، من وراء طرده من الحزب.

"والذي مازال، إلى اليوم، يكنُّ لك مشاعر الكراهية...".

-       نعم، والحق معه آنذاك. لكن هكذا كانت طبيعة الحال عندما عرَّفني بسام (1437) إلى صديق له ورفيق لنا من الجزائر اسمه العفيف الأخضر (1438). وكان هذا الأخير "تروتسكيًّا"؛ فبدأ يحرضنا ضد قيادتنا الحزبية الهرمة، عامةً، وضد الرفيق خالد (1439)، خاصةً. وكان أكثرنا "بورجوازيةً" من حيث الأصول، أقصد حازم (1440)، هو أول من تبنى تلك الأفكار "اليسارية".

(1441) ونجحت في امتحانات الدورة الثانية، وأصبحت طالبًا في السنة الأخيرة هندسة. وكذلك نجح بسام (1442) من صفِّي، كما نجح سمير (1443) ودعد (1444) إلى السنة الثالثة.

"واعتُقِلَ صديقك الناصري خلدون (1445) بسبب نشاطه المؤيد لجورج حبش (1446) الذي كان أضحى ماركسيًّا وشكَّل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"...".

-       قضى خلدون (1447) عدة أشهر في السجن، مما تسبب في رسوبه في صفه. وقد عُذِّبَ كثيرًا هناك، فلم يحتمل العذاب، وقرَّر، بعد خروجه من السجن، اعتزال السياسة.

وكان في أيلول 1968 انعقادُ المؤتمر القطري الرابع لحزب البعث الحاكم في سوريا، وبدءُ ظهور خلاف حادٍّ بين اتجاهين: الأول يساري وطفولي، برئاسة صلاح جديد (1448)، والآخر ذرائعي، برئاسة وزير الدفاع حافظ الأسد (1449).

وكان تشكيل حكومة سورية جديدة برئاسة زعيِّن (1450)، مثَّل الحزبَ الشيوعي فيها، كوزير للمواصلات، عضو اللجنة المركزية واصل فيصل (1451).

وكانت نهاية العام 1968 وعودة الرفيق خالد بكداش (1452) بعد إتمام معالجته في روسيا.

وكانت حفلة رأس السنة التي اضطررنا لإلغائها في آخر لحظة نتيجة تأنيب رفيقنا المسئول يوسف نمر (1453)، الذي أنَّبنا متسائلاً: "كيف بوسعنا الاحتفال والرقص في الوقت الذي يستشهد فيه الفدائيون على بطاح فلسطين؟"

"ثم كان عليك أن تخفف ذلك العام من نشاطك الحزبي لتتفرغ لامتحانات التخرج."

-       لكن هذا لم يحصل مباشرة، إنما استمر نشاطي الحزبي، على حاله تقريبًا، حتى بداية الفصل الثاني من السنة الدراسية. فقد كان الفصل الأول من هذه السنة الأخيرة مليئًا بالنشاط وبالحوادث الطريفة.

لأنه – والحق يقال – كانت السنتان الأخيرتان في كلِّية الهندسة هما الأجمل بالنسبة لي. فخلالهما تعرفت إلى طبيعة تلك المواد التي ستشِّكل من بعدُ أساس مهنتي، كالبيتون، والطرق، والري والصرف، والمنشآت المعدنية، وميكانيكا التربة، الخ. وكان مدرِّسونا الرئيسيون في هذين العامين من خيرة الأساتذة، وكان معظمهم من الأجانب الذين جاؤوا عن طريق اليونسكو، كالروسي ليالين لمادة البيتون، والإيطالي أكانجياجوكو لمادة الطرق وتنظيم الورش، وذلك الأستاذ التشيكي (الذي لم أعد أذكر اسمه) للمنشآت المعدنية، وخاصة منهم "رفيقنا"، خريج بلجيكا، الذي أصبح أستاذنا للريِّ والصرف، المهندس القدير زهير فرح (1454).

وكان جو الدراسة أصبح أروع وأكثر إنسانية. فصفُّنا أضحى مؤلفًا من حوالى 80 طالبًا، كان معظمهم من أصدقائي. كذلك اتخذتْ مقرًّا مؤقتًا لها في المبنى الرئيسي للكلِّية كلِّيتا الأدب الفرنسي والإنكليزي، حيث كان العنصر الأنثوي هو الغالب.

وتستعيد ذاكرتي، من شتات تلك الأيام الرائعة، صورةَ تلك الفتاة ذات العينين الخضراوين التي كانت (رغم قصر قامتها) الأجمل بين اللواتي رأيتهن حتى تاريخه. كانت طالبة في السنة الإعدادية هندسة. وتدعى ليلى ...... (1455). أما نحن، فكنَّا ندعوها بـ"الروح". وكنت وصديقي العزيز توفيق (1456) نتعمَّد الجلوس مقابلها في مكتبة الكلِّية للدراسة، وكنَّا نرسل لها، عن طريق أحد الرفاق من صفِّها، قصائد شعر كنَّا نكتبها من أجلها. أنا (1457) كنت أكتب لها قصائد من تلك التي أحفظها بالفرنسية، وتوفيق (1458) كان يكتب لها قصائد من محفوظاته بالعربية.

"وأسأتم، بالتالي، عن غير قصد، لهذه الفتاة المسكينة...".

-       التي أصبحت من بعدُ رفيقة، لأنها كانت تصورت، ربما، أن معظم الشباب الشيوعي لطفاء وظُرفاء مثلنا، قبل أن تكتشف، من خلال تجربتها الحياتية التعيسة، أن معظم هؤلاء كان من الهمج.

وأتذكر حفلات التعارف في كلِّيتنا، التي كانت أصبحت أجمل حفلات الجامعة، وكيف أنشدنا، في آخر حفل أقمناه، على شرف أستاذنا الإيطالي أكانجياجوكو، وأمام ذهول الحضور من الأهل والمسؤولين الذين لم يكن ليعلموا ما القصة، نشيد الحزب الشيوعي الإيطالي:

Avanti Populo. A la riscossa. Bandera rossa

"وكيف خربتم، في تلك السنة، حفل كلِّية الأدب الفرنسي...".

"لأن البلهاء من "آنسات وآنسي" الحفل من هذه الكلِّية أخطأوا خطأً جسيمًا، ولم يدعوا شلَّتنا إلى حفلهم الذي كان سيقام على مدرَّج كلِّيتنا. فطبعنا باسمهم بطاقات دخول مزورة ودخلنا بها، وقطعنا عليهم الميكروفونات خلال الحفل، وأذعنا من خلالها بيانات "هندسية"، وسرقنا لهم ما كانوا اشتروه من عصير وكاتو، إلخ...".

-       وحين استدعتْني قيادة الاتحاد للتحقيق في المسؤولية عن الحادث، أجبتهم أني لا أعرف! فقط أتذكر وجه من كان من أبرز المشاركين في "أعمال الشغب"، زميلنا (ورفيقهم) من الكلِّية، يحيى الخيِّر (1459). فضحك رئيس فرع الجامعة للاتحاد، الذي كان يومها عبد الرحمن فرزات (1460)، وكان يجلس إلى جانبه راتب رزوق (1461) من كلِّيتنا، وقال لي:

-       عليك اللعنة يا أكرم (1462)! أنت تتذكَّر يحيى (1463) فقط لأنه بعثي ومن جماعتنا.

فأجبته:

-       ولأن كلَّ من شارك بالحدث هم أصدقائي وطلاب صفي، ولأني أعتقد أن عليكم، بالتالي، لفلفة الأمر، إن لم يكن معالجته بمنتهى الحكمة...

وهذا ما حصل...

-       من كانت شلَّتك وأعزُّ أصدقائك في الصف وفي الكلِّية يا بابا؟"

-       كان أعزُّهم إلى قلبي خالد (1464)، الفلسطيني والمنتسب، في حينه، إلى "فتح". وكان من بينهم، أيضًا، هيثم (1465) وعزَّام (1466) ورضوان (1467) وفاروق (1468) وصبحي (1469) إلخ. وكانوا من أشطر طلاب صفِّنا.

-       وتتذكر أيضًا حادثة زوجة الوزير...

-       (1470) أتذكر أنه جاءني يومها خالد إلى مكتبة الكلِّية، حيث كنت أدرس، وقال لي وهو يضحك: "لا تزعل يا أكرم (1471)، لكننا أفرغنا لتوه من الهواء الدواليب الأربعة لسيارة زوجة وزيركم واصل فيصل (1472)...".

وسألته مبتسمًا عن السبب فأجابني:

-       لأن بنت الـ ...... وطالبة الأدب الإنكليزي بهدلتْنا حين جلسنا على "طاولتها" في مكتبة كلِّيتنا...

فضحكت وقلت له:

-       أنا زعلان فقط لأنكم لم تستدعوني لأشارك في فعلتكم النكراء هذه!

-        نحن لم نكن نريد إحراجك تجاه جماعتك!

"وكان هذا الموضوع تحديدًا هو الذي استفسر منك حوله الرفيق يوسف فيصل (1473) في مؤتمر دمشق الذي سبق المؤتمر الثالث للحزب...".

-       خلال استراحة الغذاء استدعاني أبو خلدون (1474) ليتحدث معي، وسألني بمنتهى الجدية: "هل صحيح يا أكرم (1475) أن بعض طلاب كلِّيتكم تعدُّوا على سيارة زوجة رفيقنا الوزير لأنها شيوعية وزوجة وزير شيوعي؟!"

فاجأني سؤالُه، وذهلت لسخف الادعاء، لكني تمالكت نفسي وضحكت وأجبته:

-       إن الذين قاموا بالحادث وأفرغوا الهواء من دواليب سيارتها يا أبا خلدون (1476) هم طلاب تقدميون ومن أصدقائنا.

ففاجأه جوابي وطلب إليَّ أن أشرح له ما حدث بالتفصيل. فأخبرته بحيثيات القصة بالسلوك المتعجرف لـ"رفيقتنا"، زوجة الوزير، مع هؤلاء الطلاب الذين لقَّنوها (من وجهة نظرهم) درسًا. فضحك وقال لي:

-       أنت ترى، إذن، أنه يجب لفلفة القصة وعدم الحديث حولها مع البعث.

فقلت له:

-       قطعًا. وأيضًا يجب تنبيه "رفيقتنا" إلى ضرورة تلطيف سلوكها في الجامعة. فمن حسن حظِّها وحظِّنا أن هؤلاء الذين اصطدمت معهم كانوا من أصدقائنا.

وكان في الأول من حزيران 1969 انعقادُ المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي السوري وانتخاب قيادة جديدة له، كان من أبرز وجوهها رياض الترك (1477).

"لم يكن ممكنًا بالنسبة لمن لم يحضر المؤتمر أن يتلمس عمق الخلافات التي اندلعت في قلبه. فقط كان ملفتًا للنظر أنهم لم يقروا أيَّ تقرير سياسي، وأن القيادة الجديدة كانت كُلِّفَتْ بإعداده. لكن...".

قبل المؤتمر الثالث للحزب الشيوعي تفجَّرت للعلن الخلافاتُ الحادة بين جناحي السلطة البعثية: جديد (1478) وزعيِّن (1479) والأتاسي (1480) وماخوس (1481)، ومعهم معظم التنظيم الحزبي المدني، من جهة؛ وحافظ الأسد (1482) ومصطفى طلاس (1483)، ومعهما معظم ضباط الجيش السوري، من جهة أخرى. وكان في 20 آذار 1969 انعقاد المؤتمر القطري الاستثنائي الرابع لحزب البعث:

"ذلك الذي تتبَّعنا أخباره من خلال الصحف اللبنانية...".

وكانت الخلافات البعثية التي أضحت علنية قد أثقلت بجوِّها على البلد. فلعدة أيام سبقت المؤتمر، كانت الشائعات تتحدث عن وشوك تفجُّر الخلاف، وأن انقلابًا عسكريًّا على وشك أن يقع. وقد بلغت هذه الأحداث ذروتها حين انتحر عبد الكريم الجندي (1484)، أحد القادة البعثيين الأبرز.

-       في مساء ذلك اليوم، كنَّا مجتمعين في منزلي، عطية (1485) وندرة (1486) وسمير (1487) وأنا (1488)، حين تلقَّينا هاتفًا غريبًا. كان من قيادة الاتحاد الوطني لطلبة سورية، وكان المتحدث هو رئيس فرع الجامعة، عضو اللجنة التنفيذية، عبد الرحمن فرزات (1489)، الذي طلب لقاءنا. قلت له أننا سنحضر إلى عندهم خلال عشر دقائق. فأجابني أنهم يفضلون لقاءنا في الشارع، قرب منزلي في حيِّ الصالحية. وكان هذا ما حصل، حين التقينا عطية (1490) وأنا (1491) بعبد الرحمن (1492) وعيسى حداد (1493)، وربما صالح رويلي (1494) (لم أعد أذكر تمامًا). وبادرنا عبد الرحمن قائلاً:

-       أنتم على اطلاع حتمًا على ما يجري في البلد. العسكر على وشك الاستيلاء على السلطة، وقد يقع انقلاب عسكري في أية لحظة. لهذا أنا مكلَّف، بناءً على توجيهات قيادتي، أن أنسِّق معكم في العهد السرِّي القادم.

ففاجأنا عرضُه. ولكن، لست أدري كيف جاءتني سرعة البديهة لحظتها، فأجبته:

-       لا أريدك أن تسيء تأويل كلامي يا عبد، ولكن مَن تتحدث معهم الآن هم مجرد "مأمورين". سنوصل ما تقترحه إلى قيادتنا. ولكن، إن شئتم المزيد، فعلى القيادات أن تنسِّق في البدء فيما بينها.

وأيَّد عطية ما قلته، وسأله المزيد من التفاصيل حول حقيقة الأوضاع. فحدَّثونا، بالتفصيل، عن المواقف المختلفة والخلافات المتفجِّرة. كان الوقت مساءً، وكنَّا نسير متدرِّجين في حيِّ الصالحية، نتحدث وقد أصبحنا فجأة أصدقاء حميمين، يجمعنا العداءُ المفترض للعهد القادم. ثم افترقنا...

وانتهت أعمال المؤتمر الرابع الاستثنائي لحزب البعث، عبر تسوية حافظت على الأوضاع القائمة، وحقَّق خلالها العسكر بعض المواقع الإضافية.

أما في أيلول 1969 فكان نجاحي في امتحانات التخرج لكلِّية الهندسة.

*** *** ***  

الفصل الثامن- بدايات عملية متعثرة: آ - رح نبني سد الفرات... الفصل السابع: سنوات الصخب - آ: الجامعة والرفاق والآخرون3
 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود