english Arabic

حول الفيزياء والنظرية الكوانتية

فريتيوف كابرا

 

لقد بيَّن التحليل العميق لعملية المراقبة في الفيزياء النووية أنْ لا معنى للجسيمات تحت الذرِّية ككيانات منعزلة، لكنه من الممكن فهمها من خلال العلاقات التي تربط بين التحضير للتجربة وبين ما يلحقها من قياس. وهكذا بيَّنت النظرية الكوانتية الوحدانية الأساسية للكون. ففيما يتعلق بإطارها الرياضي، خضعت النظرية الكوانتية لعدد لا يحصى من التجارب وأصبحت اليوم مقبولة عالميًا، وتقدم شرحًا دقيقًا ومتماسكًا للظاهرة الذرِّية ككل. لكن، من جانب آخر، ما زال تفسيرها اللفظي، أو لنقل ميتافيزياء النظرية الكوانتية، يستند على أرضية أقل صلابة بكثير. وفي الحقيقة، لم يتمكن ما يزيد عن أربعين سنة من الفيزياء من تقديم نموذج ميتافيزيائي واضح. (كابرا، 1975)

لكن ميتافيزياء الفضاء والحركة والهيكلية الموجية للمادة تقدِّم الآن هذا "النموذج الفيزيائي" الواضح؛ ففهم الجزيء وما نجم عنه من مفارقة بين "الجزيء وبين الموجة" شكَّل مشكلة كبيرة. وقد ولَّدت هذه المشاكل، خلال السبعين سنةً الماضية، ارباكًا كبيرًا في الفيزياء الحديثة، كما بيَّن كلٌّ من هايزنبرغ وديفيز وكابرا. حيث أنه...

لكل من المادة والأشعة طبيعة ثنائية ملفتة للنظر، بمعنى أنها تظهِر أحيانًا صفات الموجات، وأحيانًا أخرى صفات الجزيئات. أما اليوم، فقد أصبح من المسلَّم به أن أي شيء لا يمكن أن يأخذ، في الوقت نفسه، شكل حركة موجية وأن يتكون من جزيئات – فالمفهومان يختلفان بالكامل. (هايزنبرغ، 1930)

لأن مجرد فكرة أن الشيء نفسه يمكن أن يكون في الوقت ذاته موجة وجزيء هي فكرة تتحدى الخيال. وفي الوقت نفسه، لا مجال للشك في أن مثل هذه الثنائية قائمة [...] لكن من المستحيل تصور موجة هي في الوقت نفسه جزيء، لذلك لا تحاول [...] كما من المستحيل تخيُّل كون الجزيء متواجدًا في كل مكان وفي نفس الوقت. (ديفيز، 1985)

فالتساؤل الذي حيَّر الفيزيائيين في المراحل الأولى من النظرية الذرِّية هو كيف بالإمكان أن يكون الشعاع الكهرامغناطيسي مؤلفًا، في الوقت نفسه، من جزيئات (أي كيانات متواجدة في حجم صغير جدًا) ومن أمواج (منتشرة في فضاء واسع جدًا). لم يكن بوسع أي لغة، أو أي خيال، التعامل في نفس الوقت مع واقع كهذا. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 56)

وحلُّ هذا الإشكال الواضح بوسعه أن يشرح ببساطة كيف يمكن لخواص "جزيءٍ" منفردٍ من المادة والضوء (أي الكوانتا) أن تولِّد في الواقع موجات دائمة الكروية (هي موجات كوانتية مدرجة وليست موجات شعاعية كهرمغنطيسية)، وأن تجعل مفعول الجزيء يتركز في مركز إشعاعها.

ما يتجاوز اللغة:

هنا تبدو مشاكل اللغة جلية جدًا. فنحن نريد أن نتحدث بشكل ما عن بنية الذرَّة. لكن ليس بوسعنا أن نتحدث عن الذرَّة بلغة عادية. (هايزنبرغ، طاو الفيزياء، ص 53)

لأن لكلِّ كلمة، ومهما كانت تبدو واضحةً، مجالاً تطبيقيًا محددًا. (هايزنبرغ، طاو الفيزياء، ص 35)

وتظهر أصعب المشاكل، المتعلقة باستعمالات اللغة، حين نتطرق للنظرية الكوانتية. وأول هذه المشاكل تتعلق بكيفية ربط الرموز والمفاهيم الرياضية باللغة العادية؛ وأول الأشياء التي نعرفها منذ البداية هي واقع كون مفاهيمنا العادية لا يمكن تطبيقها حين يتعلق الأمر بالذرات. (هايزنبرغ، طاو الفيزياء، ص 54)

يقول السطر الأول من الطاو تي شينغ: إن الطاو الذي بوسعك أن تتحدث عنه ليس الطاو الخالد. (لاو تسه، طاو الفيزياء، ص 37)

كما أن هناك عبارة معروفة من الزن تقول: إنك في اللحظة التي تتحدث فيها عن شيء ما تفقد التوجه. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 42)

الفيزياء الجديدة:

ما ولَّد ردة الفعل العنيفة التي نشهدها اليوم تجاه الفيزياء الحديثة، يمكن فهمه حين ندرك أن أسس الفيزياء (الكلاسيكية) بدأت بالاهتزاز، وهذه الحركة هي التي ولَّدت ذلك الشعور بأن العلم فقد الأرضية التي كان يستند عليها. (هايزنبرغ، طاو الفيزياء، ص 61)

فالفهم الذي كان سائدًا هو فهم نيوتن الذي قال ذات يوم إنه:

من المرجح بالنسبة لي أنَّ الله شكَّل المادة من جزيئات صلبة، كبيرة، راسخة، متحركة، غير قابلة للاختراق، وبأحجام وأشكال وخواص أخرى متناسبة مع الفضاء المحيط بحيث ولَّدت في النهاية تلك الأشكال التي تشكَّلت منها؛ وهذه الجزيئات الأولية الصلدة هي أقسى بما لا يقاس من أي من تلك الأجسام الاسفنجية التي ولَّدتها؛ قاسية إلى حد أنه لم يكن بالإمكان إطلاقًا تفتيتها؛ لأنه ليس بوسع أية قوة عادية أن تقسِّم ما خلقه الله. (نيوتن، طاو الفيزياء، ص 64)

(لذلك) في كل مرة كان الفيزيائيون يسألون فيه الطبيعة سؤالاً يتعلق بتجربة لها علاقة بالذرة، كانت الطبيعة تجيبهم بشكل مفارق، وكانت هذه المفارقات تزداد حدةً مع تعمق المحاولات. لذلك استلزم الأمر منهم وقتًا طويلاً كي يفهموا أن سبب هذه المفارقات يكمن في البنية الحقيقية لفيزياء الذرَّة، وأنها تحصل حين يحاولون وصف التفاعلات الذرية بعبارات الفيزياء التقليدية. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 76)

فقد بيَّنت تجارب رازفورث أن الذرات ليست كيانات صلدة غير قابلة للتفتت، وإنما هي عبارة عن فضاء واسع تتحرك في قلبه جزيئات متناهية في الصغر، كذلك بيَّنت الفيزياء الكوانتية اليوم أن هذه الجزيئات لا تشبه على الإطلاق تلك التي كنا نتعامل معها في الفيزياء الكلاسيكية، لأن وحدات المادة ما دون–الذرية هي كيانات في منتهى التجريد وثنائية الجانب. فهي، وفق الطريقة التي نتناولها بها، تبدو أحيانًا كأنها جزيئات، وأحيانًا أخرى كأنها موجات؛ وهذه الطبيعة المزدوجة يعكسها الضوء الذي من الممكن أن يتخذ شكل موجات كهرمغناطيسية أو شكل جزيئات. وهذه الطبيعة (المزدوجة) للمادة وللضوء غريبة جدًا، لأنه من المستحيل على ما يبدو أن نقبل بأن الشيء نفسه يمكن أن يكون، في الوقت نفسه، جزيئًا – أي كيانًا محددًا ذا حجم متناهٍ في الصغر – وموجةً تنتشر في قلب فضاء متناه في السعة. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 77)

وقد تم حلُّ هذا التناقض الظاهري بين الجزيء وبين التصور الموجي بطريقة غير متوقعة بالكامل، لأنها طريقة أعادت طرح المفهوم المتعلق بأساس المنظور الميكانيكي للكون – وذلك المتعلق بطبيعة المادة.

فعلى المستوى ما دون الذرِّي، لا تتواجد المادة بالتأكيد في أماكن مختلفة، إنما تعكس بالأحرى "نزعة للتواجد"، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالأحداث الذرِّية التي لا تحدث بالتأكيد في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، إنما تعكس أيضًا "نزعةً لأن تحدث". من المنظور الشكلي للنظرية الكوانتية يتم التعبير عن هذه النزعات كاحتمالات لها علاقة بكميات رياضية تتخذ شكل أمواج. من هذا المنظور يصبح بإمكان الجزيئات أن تكون في الوقت نفسه أمواجًا، لكنها ليست أمواجًا ثلاثية الأبعاد كالأمواج المائية أو الأمواج الصوتية، إنما هي "موجات محتملة"، أو لنقل كميات رياضية مجردة لها نفس صفات طبيعة الأمواج، والمتعلقة باحتمالات تواجد الجزيئات في نقاط محددة من الفراغ وفي أوقات محددة. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 78)

فقد بيَّن التحليل العميق لعملية المراقبة في الفيزياء النووية أن لا معنى للجسيمات تحت الذرِّية ككيانات منعزلة. لكن، ما زال من الممكن فهمها من خلال العلاقات التي تربط بين التحضير للتجربة وبين ما يلحقها من قياس. وهكذا عبَّرت النظرية الكوانتية عن الوحدة الأساسية للكون، لأنها أرتنا أنه ليس بوسعنا تجزئة الكون إلى كيانات صغيرة مستقلة بحدِّ ذاتها، ولأنه بمقدار ما نغوص في قلب المادة بمقدار ما تبيِّن لنا الطبيعة أن الكون لا يتألف من "كتل بنيان أساسية" منفصلة، إنما هو شبكة معقدة جدًا من العلاقات التي تربط بين مختلف أجزاءه. (كابرا، طاو الفيزياء، ص 78)

ترجمة: أكرم أنطاكي

*** *** ***

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود