الصفحة التالية                  الصفحة السابقة

التجـذُّر 2

 

سيمون ڤـايل

 

لا قوةَ على هذه الأرض إلاَّ القوة، وهي التي تنقل القوةَ إلى المشاعر، بما فيها الرحمة. يمكن ذِكْر مئة مثال عن ذلك. فلماذا كان السِّلْميون بعد عام 1918 أرقَّ بكثير على ألمانيا منهم على النمسا؟ ولماذا ظهرَتْ ضرورةُ الإجازات المأجورة لكثير من الناس كمُسَلَّمة ذات بديهية رياضية عام 1936 وليس عام 1935؟ ولماذا هناك أناس كثيرون جدًا للاهتمام بعمال المصنع أكثر من اهتمامهم بالعمال المزارعين؟ وهلُمَّ جرًّا.

كذلك الأمر في التاريخ. نُعجَب بالمقاومة البطولية للمهزومين عندما يجلب تعاقُبُ الزمن نوعًا من الانتقام؛ وليس غيرَ هذا. فليس لدينا رحمة للأشياء المدمَّرة كليًا. ومَن الذي يمنح رحمةً لأريحا Jéricho، لغزة، لصُوْر، لصيدا، لقرطاج، لِـ"نُومَـنْسِيا" Numance[1]، لصِقِلِّية Sicile اليونانية، للـﭙـيرو Pérou قبل كولومبوس؟

لكنَّ الاعتراض على ذلك هو كيف نبكي على زوال أشياء لا نعرف، إنْ صحَّ القولُ، شيئًا عنها؟ لا نعرف شيئًا عنها لأنها اندثرَتْ. والذين دمَّروها لم يعتقدوا أنَّ عليهم أن يصبحوا المحافظين على ثقافتها.

بصورة عامة فإن الأخطاء الأخطر، الأخطاءَ التي تشوِّه كلَّ الفكر والتي تهلك النفْسَ وتضعها خارج الحق والخير هي أخطاء لا يمكن تمييزها. لأنَّ سببَها هي أنَّ بعضَ الأمور تستعصي على الانتباه. وإذا استعصَت على الانتباه فكيف يمكن الانتباهُ لها، مهما بذَلْنا من جهد؟ ولذلك تكون الحقيقة بحد ذاتها خيرًا فوق طبيعي.

كذلك الأمر بالنسبة للتاريخ. فالمهزومون يفلِتون من الانتباه. التاريخ هو موطن عملية داروينية أقسى بكثير من العملية التي تحكم الحياةَ الحيوانية والنباتية. المهزومون يزولون. إنهم لاشيء.

يقال بأن الرومان مَدَّنوا غاليةَ التي لم يكنْ لديها فنٌّ قبل الفن الغالي-الروماني؛ ولا فِكْرَ لديها قبل أن يكون للغاليين حظُّ قراءة الكتابات الفلسفية لشيشرون Cicéron[2]؛ وهلُمَّ جرًا.

لا نعرف إذا جاز لنا القولُ شيئًا عن غالية، لكنَّ الإشاراتِ التي بحوزتنا والتي تكاد تكون بلا قيمة تثبت بما يكفي أن كلَّ ذلك من قبيل الكذب.

لا يتعرَّض الفنُّ الغالي لأنْ يكون موضوعَ أبحاث لعلماء الآثار لدينا لأن مادته كانت من الخشب. لكنَّ مدينةَ بورج Bourges[3] آيةٌ خالصة في الجَمال إلى درجة أن الغاليين خسروا حملتَهم الأخيرة لعدم امتلاكهم شجاعةَ تدميرها بأنفسهم. بالطبع دمَّرها قيصرُ César وقتلَ في الوقت نفسه جميعَ السكان الذين كانوا فيها والبالغَ عددهم أربعين ألفًا.

نَعْـلم من خلال قيصرُ César أن فترةَ دراسة الكهنة الغاليين [الكلتيين] Druides كانت تدوم عشرين عامًا وتقوم على تعلُّم قصائدَ عن الألوهة والكون عن ظهر قلب. كان الشِّعر الغالي يحتوي إذًا على أية حال كثيرًا من القصائد الدينية والميتافيزيقية بحيث كانت تشكِّل مادةً دراسية لعشرين عامًا. إلى جانب الغنى المذهل الذي تُلْمِع إليه هذه الإشارةُ الوحيدة يكون الشعر اللاتيني، على الرغم من وجود لوقريطُس Lucrèce[4]، شيئًا لا قيمة له.

يقول ديوجين لايرس [اللايرسي] Diogène Laërce بأن هناك تقليدًا يَنسُب إلى الحكمة اليونانية عدةَ مصادرَ خارجيةٍ من بينها كهنة غالية الكلتيين. وهناك نصوص أخرى تشير إلى أن فكر الكهنة الكلتيين يتصل بفكر الفيثاغوريين.

وهكذا كان في ذلك الشعب بحرٌ متلاطم من الشِّعر المقدَّس الذي يمكن لأعمال أفلاطون وحدها أن تتيح لنا أن نتمثَّلَ إلهامَه.

كلُّ ذلك اختفى عندما أباد الرومانُ بجريمة الوطنية جميعَ الكهنة الكلتيين.

لا شك في أن الرومان قد وضعوا حدًا للأضاحي البشرية التي كانت تمارَس كما كانوا يقولون في غالية. ونحن لا نعرف شيئًا عنها، ماذا كانت، ما هي الطريقة والروح التي تُقدَّم من خلالها، هل كان ذلك طريقةَ إعدام للمجرمين أم إعدام للأبرياء، وفي هذه الحالة الأخيرة، هل كان ذلك يتم برضاهم أم لا. فشهادة الرومان غامضة جدًا ولا يمكن قبولها بدون حذر. لكنَّ ما نَعْرِفه يقينًا هو أن الرومان قد أقاموا بأنفسهم في غالية وفي كل مكان نظامَ إعدامٍ لآلافِ الأبرياء، ليس من أجل تكريم الآلهة، بل لتسلية الجماهير. كان هذا هو النظام الروماني بامتياز، النظام الذي كانوا ينقلونه إلى كل مكان؛ هؤلاء الذين نجرؤ على اعتبارهم ممدِّنين.

مع ذلك، لو قيل علنًا إنَّ غاليةَ قبل الغزو كانت أكثرَ تمدُّنًا بكثير من روما لكان لذلك وقْعٌ أشْبه بالعبثية.

وهذا ببساطة مثال له دلالة. على الرغم من أن غالية حلَّ محلَّها على الأرض نفسها أمةٌ هي أمتنا، وعلى الرغم من أن الوطنية تميل عندنا كما في كل مكان آخر ميلًا شديدًا إلى الامتداد في الماضي، وعلى الرغم من أن القليل من الوثائق المحفوظة يشكِّل شهادةً لا يمكن الطعنُ فيها فإن هزيمة الأسلحة الغاليَّة هي عقبة لا يمكن التغلب عليها أمام اعترافنا بالقيمة الروحية العالية لهذه الحضارة المدمَّرة.

مع ذلك كان هناك لصالحها محاولاتٌ مثل محاولة كاميّ [كميل] جولِّيان Camille Jullian. لكنْ نظرًا لأن أرض طروادة Troie لم تعد أبدًا موطنًا لأُمَّة، فمن الذي تكلَّفَ عناءَ كشف الحقيقة التي تتجلَّى بصورة أكثر بداهةً في الإلياذة، ولدى هيرودوت[5]، وفي أغاميمنون Agamemnon للشاعرُ [التراجيدي] إسخولوس [أسخيلوس] Eschyle؛ بمعنى أن طروادة كانت ذات مستوىً حضاري وثقافي وروحي أعلى بكثير من الذين هاجموها ظلمًا ودمَّروها؛ وأن زوالها كان كارثةً في تاريخ البشرية؟

قبل شهر حزيران/يونيو من عام 1940، كان من الممكن أن نقرأ في الصحافة الفرنسية، بصفة تشجيع وطني، مقالاتٍ تُقارِن النزاعَ الفرنسيَّ الألمانيَّ بحرب طروادة؛ وكانوا يشرحون في هذه المقالات أن تلك الحرب كانت بالأساس صراعَ الحضارة ضد الهمجية، حيث كان الطرواديون هم الهمجيين. غير أنه ليس هناك من أدنى سبب لهذا الخطأ غير هزيمة طروادة.

إذا كان بالإمكان الامتناع عن السقوط في هذا الخطأ بشأن موضوع اليونانيين الذين كان يُقِضُّ مضجعَهم تأنيبُ الضمير على الجريمة المرتكبة والذين شهدوا بأنفسهم لصالح ضحاياهم فكيف إذًا بخصوص الأمم الأخرى التي كانت ممارستها الثابتة هي الافتراء والتقوُّل على الذين قتلَتْهم؟

يستند التاريخ إلى الوثائق. فالمؤرخ يمتنع بحكم المهنة عن القول بالفرضيات التي لا تقوم على شيء. في الظاهر هذا معقول جدًا؛ ولكن في الحقيقة ينقصه الكثير. لأن توازُنَ الفكر، نظرًا لوجود ثغرات في الوثائق، يتطلَّب حضورَ فرضيات في الذهن بلا أساس من الصحة، بشرط أن يكون ذلك لهذا الغرض وأن يكون هناك العديد منها حول كل نقطة.

يجب بالأحرى قراءةُ ما بين السطور في الوثائق والانتقالُ بالكامل إلى الأحداث المذكورة مع نسيان كامل للذات وتركيزُ الانتباه طويلًا جدًا على الأشياء الصغيرة ذات المغزى وتمييزُ كلِّ معناها.

لكن احترام الوثيقة والروحَ المهنية للمؤرخ لا يُـهَـيِّـآن الفكرَ لهذا النوع من الممارسة. فالروح المسماة تاريخيةً لا تخترق الورقَ لتعثرَ على اللحم والدم؛ فهي تقوم على خضوع الفكر للوثيقة.

إلاَّ أن الوثائقَ، بطبيعة الأمر، تَصْدر عن الأقوياء والمنتصرين. كذلك فإن التاريخ ليس غير جمع شهادات قدَّمَها القتَلَةُ بشأن ضحاياهم وبشأن أنفسهم.

إن ما يسمونه محكمةَ التاريخ التي يتكلمون عنها هكذا لا يمكن أن تحكم بطريقة أخرى غير طريقة الحيوانات المريضة بالطاعون[6].

لا نمتلك شيئًا على الإطلاق عن الرومان غير كتابات الرومان أنفسهم وعبيدهم اليونان. وهؤلاء [الأخيرون] الأشقياء قالوا عنهم ما يكفي من بين تحفُّظاتهم الخاصة بالعبيد، لو أننا تكلَّفْنا عناءَ قراءتهم باهتمام حقيقي. ولكنْ لماذا نتكلَّف عناءَ ذلك؟ ليس هناك من دافع لهذا الجهد. وليس القرطاجيون هم الذين يمتلكون جوائزَ المَجمْع Académie ولا كراسيَ في السوربون.

كذلك لماذا نتكلَّف عناءَ الشك في المعلومات التي قدَّمها العبريون عن سكان كنعان الذين أُبيدوا أوِ استُعبِدوا على يد اليهود؟ فليس سكانُ أريحا هم الذين قاموا بتعيينات في المعهد الكاثوليكي.

نعرِف من خلال سِيَر هتلر الذاتية أن أحد الكتب التي كان لها أعمقُ تأثير على شبابه هي كتاب من الدرجة الثانية عن سيلاَّ Sylla[7]. ماذا يهمُّ إذا كان الكتابُ من الدرجة الثانية؟ فهو كان يعكس موقفَ الذين يسمَّون بالنخبة. ومن الذي سيكتب عن سيلاَّ بازدراء؟ إذا رغب هتلرُ في نوع العظَمة الذي كان يراه ممجَّدًا في هذا الكتاب وفي كل مكان فلم يكن هناك خطأ من جهته. هذه هي تمامًا العظَمة التي فهِمَها، العظَمة ذاتها التي ننحني أمامها بكل دناءة عندما نتحوَّل بأنظارنا نحو الماضي.

نكتفي بالخضوع الدنيء للفكر أمامها ولم نحاولْ كهتلر مسْـكَها بأيدينا. فهو في هذه النقطة أفضل منا. فعندما يعترف المرءُ بأن شيئًا ما هو خير يجب أن يريد الإمساكَ به. والامتناع عن ذلك جُبْنٌ.

لنتخيلْ هذا المراهقَ البائسَ المقتلَعَ التائهَ في شوارع ﭭـيينَّا المتعطِّشَ للعظَمة. كان خيرًا بالنسبة له أن يكون متعطشًا للعظَمة. خطأُ مَن إذا لم يكتشفْ شكلًا آخرَ للعظَمة غير الجريمة؟ فمنذ أن عرَفَ الشعبُ القراءةَ ولم يعدْ لديه موروثاتٌ تنتقل شِفاهًا أصبحَ الناسُ القادرون على استعمال القلم هم الذين يزوِّدون الجمهورَ بمفاهيم العظَمة وبأمثلة لإيضاحها.

إنَّ مؤلِّفَ هذا الكتابَ الرديءَ عن سيلاَّ وجميعَ الذين جعلوا البيئةَ التي كُتِبَ فيها هذا الكتابُ بيئةً ممكنةً من خلال كتاباتهم عن سيلاَّ أو عن روما وبصورة أعم جميعَ الذين ساهموا بامتلاكهم سلطةَ استخدام الكلام أو القلم في البيئة الفكرية التي ترعرع فيها المراهقُ هتلر، جميعَ هؤلاء هم ربما أكثر مسؤوليةً من هتلر عن الجرائم التي ارتكبها. معظمُهم قد مات؛ لكنَّ كُتَّابَ اليومِ شبيهون بأسلافهم، ولا يمكن أن يجعلَهم أكثرَ براءةً تاريخُ ميلاد جاء مصادفةً.

يتكلمون عن معاقبة هتلر. لكن لا يمكن معاقبته. كان يرغب في شيء واحد وقد حصل عليه: هو أن يكون في التاريخ. فأنْ يُقتَل أو أن يعذَّب أو أن يُسجَن أو أن يهان فإن التاريخ سيكون حاضرًا دائمًا لحماية نفس هتلر من أن ينال منها العذابُ أو الموتُ أيَّ منال. ما سنُنْزِله به سيكون حتمًا الموتَ التاريخي، العذابَ التاريخي، التاريخ. وكما أن الذي وصل إلى الحب الكامل لله يرى أن كل أمر من الله خير، كذلك يرى هذا العابدُ للتاريخ أن كلَّ ما هو من التاريخ خير. فضلًا عن أن له مصلحةً أكبر بكثير؛ لأن الحب الخالص لله يسكن مركزَ النفس؛ فيترك الإحساسَ معرَّضًا للصدمات؛ فهو لا يشكِّل درعًا واقيًا. وعبادةُ الأوثان هي درع يحمي؛ فهي تمنع الألمَ من الدخول إلى النفس. ومهما أُنزِلَ بهتلر من عقوبة فلن يمنعه ذلك من الشعور بأنه كائن عظيم. وخاصةً أن ذلك لن يمنعَ بعد عشرين سنة أو خمسين أو مئة سنة أو مئتَي سنة صبيًا صغيرًا حالمًا ووحيدًا، ألمانيًا أو غيرَ ألماني، مِن أنْ يفكِّرَ بأنَّ هتلر كان كائنًا عظيمًا وكان مصيره عظيمًا من أوله إلى آخره ومِن أنْ يرغب من كل نفسه بمصير مشابه. وفي هذه الحالة، ويلٌ لمعاصريه.

القصاص الوحيد القادر على معاقبة هتلر هو صرف الصبيان الصغار المتعطشين للعظَمة عن الاقتداء به لقرن قادمة، وهذا يعني تغييرًا كليًا لمعنى العظَمة إلى درجة استبعاده.

إنه لَمن الوهمِ الذي يُعْزى إلى عمى الأحقاد القومية أنْ نعتقدَ أن بالإمكان إبعادَ هتلر من العظَمة بدون تغيير كلِّيٍّ لمفهوم العظَمة ومعناها بين رجال اليوم. وللمساهمة في هذا التغيير، يجب القيام به على الذات. كلُّ فرد يمكنه في هذه اللحظة نفسها البدء بمعاقبة هتلر في دخيلة نفسه من خلال تغيير مَنْح شعور العظَمة. وهذا أبعد من أن يكون سهلًا، لأن ضغطًا اجتماعيًا ثقيلًا وآسرًا مطوِّقـًا كضغط البيئة المحيطة يعترض ذلك. يجب، لبلوغ ذلك، الانعزالُ روحيًا عن المجتمع. لذلك كان أفلاطون يقول بأن قدرة تمييز الخير لا تكون إلاَّ عند النفوس المختارةٍ منذ الأزل prédestinées والتي تلقَّت تربيةً مباشرةً من لدن الله[8].

لا معنى للبحث عن مدى التشابهات والاختلافات بين هتلر ونابليون. المسألة الوحيدة التي لها فائدة هي معرفة ما إذا كان بالإمكان بصورة مبررة استبعادُ أحدهما من العظَمة بدون استبعاد الآخر منها؛ أيْ ما إذا كان الإعجابُ بألقابهما متماثلًا أم مختلفًا اختلافًا جوهريًا. وإذا انزلقْنا في الكذب بعد طرح المسألة بوضوح وبعد النظر فيها مواجهةً وقتًا طويلًا فإننا نضيع. كان ماركوس أوريليوس Marc-Aurèle[9] يقول بما معناه بخصوص الإسكندر وقيصر: "إذا لم يكونا عادلَينِ فلا شيء يجبرني على الاقتداء بهما." كذلك لا شيء يجبرنا على الإعجاب بهما.

لا شيء يجبرنا على ذلك إلاَّ التأثيرُ المطلق للقوة.

أيمكن الإعجاب بدون حُب؟ وإذا كان الإعجاب حبًا فكيف نجرؤ على حب شيء غير الخير؟

قد يكون من السهل أخذ المرء ميثاقًا على نفسه بألاَّ يُعجَب في التاريخ إلاَّ بالأعمال وبالحيوات التي تشعُّ من خلالها روحُ الحقيقة والعدالة والحب؛ وأدنى من ذلك بكثير، بالأعمال والحيوات التي يمكن أن نكشف بداخلها عند العمل إحساسًا داخليًا حقيقيًا بهذه الروح.

هذا يستبعد، على سبيل المثال، القديسَ لويس saint Louis نفسَه بسبب النصيحة المؤسفة التي أعطاها لأصحابه بأن يغرزوا سيوفَهم في بطن كل من يتمسَّك في حضورهم بكلمات ملوَّثة بالهرطقة أو الكفر.

لا شك في أننا سنقول لكي نعذرَه بأنها تلك كانت روح عصره، تلك الروح، ولكون تاريخها يعود لسبعة قرون قبل قرننا، كانت مهووسةً بمقدار بُعدها عن عصرنا. وهذا كذب. فقبل القديس لويس بقليل، كان الكاثوليكُ في مدينة بيزييه Béziers، وبعيدًا عن أن يغرزوا سيوفَهم في أجساد هراطقة مدينتهم، قد ماتوا على بَكْرة أبيهم بدلًا من أن يوافقوا على تسليمهم. ونسيَت الكنيسةُ أن تضعهم في مرتبة الشهداء، وهي مرتبة تمنحها لقضاة محاكم التفتيش inquisiteurs الذين يعاقبُهم ضحاياهم بالموت. إن هواةَ التسامح والأنوار والعَلْمانية [اللائكية] laïcité[10]، على مر القرون الثلاثة الأخيرة، قلَّما احتفلوا بهذه الذكرى أيضًا؛ فالشكل البطولي إلى هذا الحد من الفضيلة التي يسمُّونها بسطحيةٍ تسامحًا كانت ستكون مزعجةً لهم.

ولكنْ حتى لو كان هذا صحيحًا، وحتى لو كانت وحشيةُ التعصب قد سيطرَت على جميع النفوس في القرون الوسطى فإن النتيجةَ الوحيدة التي يجب استخلاصُها من ذلك هي أنه ليس هناك أيُّ شيء يثير الإعجابَ أو الحبَّ في ذلك العصر. وهذا لن يضعَ القديسَ لويس أقربَ إلى الخير بمليمتر واحد. فروح الحقيقة والعدالة والحب لا علاقة لها على الإطلاق بتأريخ سنوي؛ إنها أزلية؛ والشرُّ هو المسافة التي تفصل الأعمالَ والأفكارَ عنها؛ فعملٌ وحشيٌّ من القرن العاشر يشبه في وحشيته تمامًا لا أكثر ولا أقلَّ عملًا وحشيًا من القرن التاسع عشر.

لتمييز العمل الوحشي، يجب أن تؤخذَ بعين الاعتبار الظروفُ والدلالاتُ المتغيرة المتعلقة بالأفعال وبالأقوال واللغةُ الرمزية الخاصةُ بكل وسط؛ ولكن عندما يتم الإقرارُ بصورة لا تقبل الشكَّ بأن عملًا ما هو وحشي فإنه يكون فظيعًا مهما كان مكانه وتاريخه.

كان المرء سيشعر بذلك شعورًا لا يقاوَم فيما لو أنه أحبَّ كما يحبُّ نفسَه جميعَ الأشقياء الذين تألَّموا من وحشية أقرانهم منذ ألفَي سنة أو ثلاثة آلاف سنة.

إذًا لا يمكن ربما أن نكتب، على غرار ما فعل السيد كَرْكوﭙـينو، أن العبودية كانت قد أصبحَت لطيفةً في روما في عهد الإمبراطورية بما أنها نادرًا ما تتضمن عقابًا أقسى من الجَلْد.

خرافة التقدم الحديثة هي تقليد sous-produit للكذبة التي من خلالها جعلْنا من المسيحية الدينَ الرومانيَّ الرسمي؛ فهي مرتبطة بتدمير الكنوز الروحية للبلاد التي غزاها الرومانُ وبإخفاء الاستمرارية التامة بين هذه الكنوز وبين المسيحية وبالمفهوم التاريخي للفداء الذي جعل من المسيحية عمليةً زمنية وليست خالدةً. وفيما بعد تعَلْمنَت فكرةُ التقدم؛ فأصبحَت اليومَ سُمَّ عصرِنا. فعندما نفترض أن اللاإنسانية كانت في القرن الرابع عشر شيئًا عظيمًا وحسنًا، ولكنها هولٌ وفظاعة في القرن التاسع عشر، فأنَّى يمكن منْعُ صبي صغير من القرن العشرين يهوى القراءاتِ التاريخيةَ من أن يقول في نفسه: "أشعر في نفسي بأن العصر الذي كانت فيه الإنسانيةُ فضيلةً قد ولَّى الآن وبأن عصر اللاإنسانية يعود"؟ مَن الذي يمنع من تصوُّرِ تعاقُبٍ دَوريٍّ بدلًا من خط مستمر؟ إن عقيدة التقدم تُدنِّسُ الخيرَ عندما تجعل منه مسألةَ "مُوضى".

ثم أن ذلك سببُه فقط هو أن الفكر التاريخي يقوم على تصديق القتلَة في القول بأن هذه العقيدة تبدو أنها تستجيب تمامًا للواقع. عندما تصل الفظاعةُ من وقت إلى آخر إلى اختراق اللامبالاة الشديدة لقارئ كتابات تيت-ليـﭪ Tite-Live[11] فسيقول في نفسه: "كانت هذه هي أخلاق العصر". غير أننا نشعر بوضوح لدى المؤرخين اليونانيين بأن وحشيةَ الرومان قد روَّعَت وشلَّت معاصريهم تمامًا مثلما تفعل اليومَ وحشيةُ الألمان.

إذا لم أخطئْ فليس هناك من بين الأحداث المتعلقة بالرومان والتي نجدها في التاريخ القديم إلاَّ مثال واحد على الخير النقي تمامًا. ففي عهد الحكومة الثلاثية triumvirat وخلال عقوبات الإعدام والنفي [بلا محاكمة]، كانت الشخصياتُ القنصليةُ والقَناصِلُ والحكَّامُ الشرعيون préteurs، والذين كانت أسماؤهم مذكورةً في اللائحة يُقَـبِّـلون رُكَبَ عبيدهم ويلتمسون نجدتَهم وهم يسمُّونهم سادتَهم ومخَلِّصيهم؛ لأن الكبرياء الرومانيةَ لم تكنْ تقاوِمُ المصيبةَ. كان العبيد يصدُّونهم مُحِقِّين. وكان هناك استثناءات قليلة جدًا. لكنَّ أحدَ الرومان، بدون أن يضع نفسَه في موضع تذلُّل، قد احتمى بعبيده مختبئًا في داره. فقام الجنود الذين رأوه يدخل الدارَ بتعذيب العبيد لكي يجبروهم على تسليم سيِّدهم. فتعذَّبَ العبيدُ ولم يخضعوا. لكنَّ السيِّدَ في مخْبأه كان يشاهد التعذيبَ. فلم يستطعْ تحَمُّـلَ منظر ذلك، واستسلمَ للجنود وقُتِلَ على الفور.

إنَّ كلَّ مَن له قلْبٌ لو خُـيِّـرَ بين عدة أقدار لاختارَ أن يكون على السواء هذا السيِّدَ أو أحدَ هؤلاء العبيد، بدلًا من أن يكون واحدًا من الإسكيـﭙـيونيين Scipions أو قيصر أو شيشرون أو أغسطس أو ﭭـيرجيل [فرقيلُش] Virgile[12] أو حتى واحدًا من الغراكيين Gracques.

هذا مثال على ما هو مبرَّرٌ الإعجابُ به. هناك في التاريخ قليل من الأشياء النقية تمامًا. ومعظمُها يتعلَّق بكائنات اختفَت أسماؤها، مثل ذلك الروماني، ومثل سكان بيزييه في بداية القرن الثالث عشر. فلو بحثْنا عن أسماء تُمثِّل الطهارةَ لوجدْنا منها القليلَ. ففي التاريخ اليوناني لا يمكن ربما أن نسمِّيَ إلاَّ أريستيدَ Aristide[13] وديونَ Dion، صديقَ أفلاطون، وأجيسَ Agis، ملِكَ إسبارطة الصغير الاشتراكي الذي قُتِلَ في عمر العشرين. وفي تاريخ فرنسا، أيمكن أن نجد اسمًا آخر غيرَ جان-دارك؟ ليس أكيدًا.

لكنْ لا يهم. فمن الذي يوجب الإعجابَ بكثير من الأشياء؟ المهمُّ هو ألاَّ يُعجَبَ المرءُ إلاَّ بما يمكن أنْ يُعجَبَ به في قرارة نفسه. ومن الذي يمكنه الإعجابُ بالإسكندر من عمق نفسه، ما لم تكن نفسُه دنيئةً؟

هناك أناس يقترحون إلغاءَ تعليم التاريخ. صحيح أنه يجب ربما إلغاءُ العادة العبثية المتمثلة في تعلُّم دروس التاريخ، ما عدا هيكل [عام] يقتصر ما أمكن على التواريخ ونقاط العلاَّم، وفي تطبيق نوع الاهتمام نفسِه المطبَّق على الأدب على التاريخ. لكن فيما يخصُّ إلغاء دراسة التاريخ فإن ذلك قد يكون كارثةً. لا وطنَ بلا تاريخ. نرى جيدًا في الولايات المتحدة ماذا يعني وجود شعب ينقصه البعد الزمني.

ويقترح آخرون تعليمَ التاريخ بعد وضع الحروب في الدرجة الأخيرة. وهذا كذب. إننا نشعر اليوم كثيرًا، ومن البديهي أيضًا بالنسبة للماضي، بأنه لا شيءَ أهمّ عند الشعوب من الحروب. يجب الكلام عن الحرب بقدر ما نفعل أو أكثر؛ لكن يجب الكلام عنها بصورة مختلفة.

ليس هناك من طريقة أخرى لمعرفة القلب البشري غير دراسة التاريخ مضافًا إليها خبرة الحياة، بحيث تضيء كلٌّ منهما الأخرى. لدينا واجب تقديم هذا الغذاء لعقول المراهقين والرجال. لكنه يجب أن يكون غذاءَ حقيقة. فيجب ألاَّ تكونَ فقط الوقائعُ صحيحةً بمقدار ما يمكن تدقيقها، بل يجب أيضًا أن تَظهَرَ في إطارها الحقيقي بالنسبة للخير وللشر.

التاريخ نسيج من الدناءات والأعمال الوحشية تلمع فيه بعضُ قطرات من الطهارة في فترات متباعدة. إذا كان الأمر كذلك فذلك لأن هناك قليلًا من الطهارة بين البشر؛ ثم إن الجزء الأكبر من هذا القليل مخفيٌّ ويبقى مخفيًا. يجب البحث عنه إذا أردنا شهاداتٍ غيرَ مباشرة. فالكنائس اللاتينية والترتيل الغريغوري لم تتمكن من الظهور إلاَّ بين سكان كان فيهم من الطهارة أكثر بكثير مما كان في العصور اللاحقة.

لكي نحبَّ فرنسا، يجب أنْ نشعرَ بأنَّ لها ماضيًا، لكنْ يجب ألاَّ نحبَّ الغلافَ التاريخي لهذا الماضي. يجب أن نحبَّ الجزءَ الصامتَ المغمورَ المفقودَ منه.

من الخطأ قطعًا أنَّ هناك آليةَ لطف إلهي تَنقُـل إلى ذاكرة الأجيال القادمة أفضلَ ما يمتلكه العصرُ. بطبيعة الحال، ما يُنقَـل هو العظَمة المزيَّفة. هناك طبعًا آليةُ عناية إلهية، لكنها تعمل فقط بحيث تخلط قليلًا من العظَمة الحقيقية مع كثير من العظَمة المزيَّفة؛ وعلينا نحن التمييز بينهما. ولولا هذه الآليةُ لكنا ضعْنا.

انتقالُ العظَمة المزيَّفة عبر العصور ليس خاصًا بالتاريخ. إنه قانون عام. فهو يحكم أيضًا الآدابَ والفنونَ على سبيل المثال. هناك نوع من السيطرة للموهبة الأدبية على القرون التي تؤكد سيطرةَ الموهبة السياسية في المكان؛ فهما سيطرتان من طبيعة واحدة، زمنيتان أيضًا، وتتعلَّقان أيضًا بمجال المادة والقوة، وكذلك وضيعتان. لذلك يمكن أن تكونا موضوعًا تسويقيًا وتبادليًا.

لم يخجلْ أريوستو L'Arioste[14] من أن يقولَ لسيده دوق إيست Este، خلال قصيدته، شيئًا يتعلَّق بذلك: أنا تحت رحمتكم خلال حياتي، ويتوقف عليكم أمر جعلي غنيًا أو فقيرًا. لكنَّ اسمكم تحت رحمتي في المستقبل، ويتوقف عليَّ أن يقال عنكم خيرًا أو شرًا أو لا يقال شيء بعد ثلاثمئة سنة. لنا مصلحة في أن نتَّفقَ. أعطوني الحظوةَ والغنى وسأمدحكم.

كان ﭭـيرجيل [فرقيلوش] Virgile عنده حس اللباقة أكثر من أن يعرِض علنًا صفقةً من هذا النوع. لكنْ في الواقع ما حصل بالضبط بينه وبين أُغسطس كان صفقةً. كانت قراءة أبياته ممتعةً غالبًا، لكنْ على الرغم من هذا، ربما يجب إيجاد اسم آخر له ولأمثاله غير اسم شاعر. فالشعر لا يباع. وسيكون اللهُ ظالمًا إذا كانت الإنياذةُ l'Énéide[15] التي نُظِمَت في هذه الشروط تساوي الإلياذةَ Iliade. اللهُ عادلٌ، والإنياذةُ أبعد ما تكون عن هذه المساواة.

ليس فقط في درس التاريخ يكون الخيرُ مُزْدرىً، بل في جميع الدروس المقدَّمة للأطفال، وعندما يصبحون رجالًا لا يجدون في الغِذاء المقدَّم لعقولهم إلاَّ مبرِّراتٍ ليتعوَّدوا على هذا الازدراء.

من البديهي أن الموهبة لا علاقةَ لها بالأخلاق، وهذه حقيقة أصبحَت في عِداد الأفكار المبتذلة بين الأطفال والرجال. غير أنه لا يقدَّم للأطفال والرجال غير الموهبة في جميع المجالات لتنالَ إعجابَهم. ففي جميع تظاهرات الموهبة، أيًا كانت هذه التظاهراتُ، يرون في كل مكان ينتشر بصورة رعناء غيابُ الفضائل التي يوصَون بتطبيقها. ماذا يمكن أن يُستنتَجَ من ذلك غير أن الفضيلة هي صفة الرداءة؟ لقد ولجَت هذه القناعةُ من قبلُ حتى أصبحَت اليومَ كلمةُ "الفضيلة" نفسُها مثيرةً للسخرية، وهي التي كانت سابقًا مليئةً جدًا بالمعنى، وكذلك أيضًا كلمتا "النزاهة" و"الطِّيْبة". الإنكليز أقرب إلى الماضي من البلدان الأخرى، لذلك ليس هناك اليوم أيةُ كلمة في اللغة الفرنسية لترجمة "good" و"wicked"[16]. – كيف سيتعلَّم الطفلُ على أنْ يُعجَبَ بالخيْر وهو يرى كيف تُعظَّمُ الوحشيةُ والطموح في دروس التاريخ، ويرى في دروس الأدب الأنانيةَ والكبرياءَ والغرورَ والتعطُّشَ لإحداثِ ضجةٍ، ويرى في دروس العلوم جميعَ الاكتشافات التي قلبَتْ حياةَ البشر وذلك بدون أي اكتراث لا بطريقة الاكتشاف ولا بنتيجة قلْب حياة البشر؟ وكلُّ ما يحاول الذهابَ بعكس هذا التيار العام جدًا، كمدائح ﭙـاستور Pasteur على سبيل المثال، يبدو مزيَّـفًا. ففي بيئة العظَمة المزيَّـفة مِن العبثِ إرادةُ العثور على العظَمة الحقيقية. يجب ازدراءُ العظَمة المزيَّـفة.

صحيح أن الموهبة لا علاقة لها بالأخلاق؛ لكنْ لأنه ليس هناك عظَمة في الموهبة. فمن الخطأ القول بأنه ليس هناك روابطُ بين الجَمال الكامل والحقيقة الكاملة والعدالة الكاملة؛ هناك أكثر من روابط، هناك اتِّحاد سرِّيٌّ، لأنَّ الخيرَ واحد.

هناك نقطةٌ من العظَمة تكون فيها عبقريةُ الجَمالِ الخلاَّقةِ وعبقريةُ الحقيقةِ الكاشفةِ والبطولةُ والقداسةُ أمورًا لا يمكن تمييزها. أساسًا عند مقاربة هذه النقطة نرى أنواعَ العظَمة تسعى لأنْ تختلطَ بعضها مع بعض. فلا يمكن عند جيوتو Giotto[17] التمييزُ بين عبقرية الرسَّام وبين الروح الفرنسيسكانية؛ ولا في لوحات طائفة الزِّن Zen في الصين وقصائدها بين عبقرية الرسَّام أو الشاعر وبين حالة الاستنارة الصوفية؛ ولا بين عبقرية الرسَّام وبين الحب المتأجِّج والمتجرِّد الذي يخترقُ أعماقَ النفوس عندما يضع ﭭـيلاسكيزُ Vélasquez على القماش ملوكًا ومتسوِّلين. إنَّ الإلياذةَ وتراجيدياتِ إسخولوسَ وتراجيدياتِ سوفوكلوسَ Sophocle تحمِلُ العلامةَ الواضحةَ على أن الشعراء الذين كتبوا ذلك كانوا في حالة القداسة. من وجهة نظر شِعرية بحتة ودون الأخذِ بالاعتبار لأي شيء آخر فإنَّ نَظْمَ نشيد القدِّيس فرانسيس الأسِّيزي [سان فرانسيسكو دي أسيس] François d'Assise، هذه التحفة من الجَمال التام، كان أفضلَ بكثير من كل أعمال ﭭيكتور هيغو Victor Hugo. وكتَبَ راسينُ Racine في الأدب الفرنسي كلِّه العملَ الوحيدَ الذي يكاد يمكن وضعُه إلى جانب الروائع اليونانية الكبرى في اللحظة التي كانت فيها نفسُه يصنعُها التحولُ. كان بعيدًا عن القداسة عندما كتبَ مسرحياتِه الأخرى، لكنْ لا نجد فيها أيضًا هذا الجمال الأخَّاذ. إنَّ تراجيديا مثل المَلِك لير King Lear[18] هي ثمرة مباشرة لروح الحب النقية. وتشعُّ القداسةُ في الكنائس الرومانية والترتيل الغريغوري. كان مونتيـﭭيردي Monteverdi وباخ Bach وموزارت Mozart كائناتٍ نقيةً في حياتها كما في أعمالها.

إذا كانت هناك عبقرياتٌ لدى أشخاص تكون عبقريتُهم نقيةً إلى درجة قربها الواضح جدًا من العظَمة الخاصة بكُمَّـل القدِّيسين فلماذا إضاعةُ الوقت في الإعجاب بغيرها؟ يمكن الاستفادة من عبقريات أخرى ونهلُ معارفَ ومنافعَ منها؛ لكنْ لماذا القيام بحبها؟ لماذا يمنح المرءُ قلبَه لشيء آخر غير الخير؟

في الأدب الفرنسي هناك تيار يمكن تمييزه بالنقاء. ففي الشِّعر لا بد من البدء بـ"ﭭِـيُّـون" Villon الأول والأكبر. لا نعرف شيئًا عن أخطائه، ولا حتى عما إذا كان هناك خطأ من جهته؛ لكنَّ نقاءَ النفس واضح من خلال التعبير المؤثِّر عن الشقاء. والأخير، أو يكاد يكون الأخيرَ هو راسين، بسبب [مسرحية] فيدر Phèdre والأناشيد الروحية Cantiques spirituels؛ وبين الاثنين يمكن أنْ نسمِّيَ موريس سيـﭪ Maurice Scève[19] و"دوبينييه" d'Aubigné وتيوفيل دو ﭭـيو، الذين كانوا ثلاثةَ شعراء كبار وثلاثة كائنات ذات سموٍّ نادر. في القرن التاسع عشر، كان جميعُ الشعراء أهلَ قلم إلى حد ما، مما يدنِّس الشِّعرَ بصورة مخجلة؛ على الأقل تطَلَّعَ لامارتينُ وﭭـيني Vigny تطلُّعًا حقيقيًا إلى شيء نقيٍّ وحقيقي. هناك قليل من الشِّعر الحقيقي عند جيرار دو نيرﭭـال Gérard de Nerval[20]. وفي نهاية القرن، كان مالارميه Mallarmé[21] يثير الإعجابَ كقدِّيس وكشاعر على حد سواء، وهاتان كانتا عظَمتين لديه لا يمكن تمييزُ إحداهما عن الأخرى. مالارميه هو شاعر حقيقي.

في النثر، هناك ربما نقاءٌ سرِّي لدى رابليه Rabelais[22]، حيث كلُّ شيء سرِّي أيضًا. هناك بالتأكيد نقاءٌ لدى مونتيني Montaigne، على الرغم من عيوبه العديدة، لأنه كان دائمًا مسكونًا بحضور كائن نقيٍّ لولاه لكان بلا شك قد بقي في الرداءة، أيْ: لا بويسي La Boétie[23]. وفي القرن السابع عشر، يمكن التفكير بديكارت Descartes، وبـ"ريتز" [رِيْه] Retz، وبـ"ﭙورت-رويال" Port-Royal، وخاصةً بـ"موليير" Molière. وفي القرن الثامن عشر، هناك مونتسكيو Montesquieu وروسو Rousseau. وهذا ربما كلُّ شيء.

على افتراض بعض الدِّقَّة في هذا السَّرْد، لا يعني ذلك أنه يجب عدم قراءة الباقي، بل يعني أنه يجب قراءة الباقي بدون الاعتقاد بالعثور على عبقرية فرنسا فيه. فعبقرية فرنسا لا تكمن إلاَّ في ما هو نقي.

من الصواب تمامًا القول بأنها عبقرية مسيحية وهلِّينية. لذلك قد يكون من المبرَّر إعطاءُ جزء قليل من التربية ومن ثقافة الفرنسيين للأشياء الفرنسية بصورة خاصة أقلَّ منه للفن الروماني وللترتيل الغريغوري وللشِّعر الليتورجي وللفن والشعر والنثر عند الإغريق من أفضل عصر. حيث يمكن للمرء أنْ يَـعُـبَّ كثيرًا من الجَمال النقي تمامًا من جميع النواحي.

من المؤسف أن تُعتبَرَ اللغةُ اليونانية مادةَ تبحُّر للمختصين. فلو توقَّفْنا عن ربط دراسة اليونانية بدراسة اللاتينية ولو سعَينا فقط إلى جعل الطفل قادرًا على أن يقرأَ بسهولة وبسرورٍ نصًا يونانيًا سهلًا مع ترجمة إلى جانبه لاستطعنا نشْرَ معرفةٍ بسيطة باليونانية نشرًا واسعًا جدًا حتى خارج الثانوية. وسيتمكَّن كلُّ طفل موهوبٍ قليلًا من القيام بتواصل مباشر مع الحضارة التي نهلْنا منها المفاهيمَ نفسَها المتعلِّقةَ بالجَمال والحقيقة والعدالة.

لن يتَّقِدَ حبُّ الخير أبدًا في القلوب في وسط جميع السكان، بما أنه ضروري لخلاص البلد، مادام الناسُ يعتقدون أن العظَمة في أي مجال يمكن أن تكون نتيجةَ شيء آخر غير الخير.

لذلك قال المسيح: "الشجرة الصالحة تعطي ثمرًا صالحًا والشجرة الرديئة تعطي ثمرًا رديئًا." فإما أن العمل الفني الذي هو بمنتهى الجَمال هو ثمرة فاسدة وإما أن الإلهام الذي أنتجَه قريب من القداسة.

لو لم يكن الخير المحْضُ قادرًا أبدًا على إحداث العظَمة الحقيقية على هذه الأرض في الفن وفي العلْم وفي التفكُّر النظري وفي العمل العام ولو لم يكن في جميع هذه المجالات إلاَّ العظَمةُ المزيَّفةُ ولو كان كلُّ شيء في هذه المجالات محتقَرًا وبالتالي مُدانًا لما كان هناك أيُّ رجاء للحياة الدنيوية. ولما كان هناك استنارة ممكنة لهذا العالَم من العالَم الآخر.

ليس الأمر كذلك، ولهذا من الضروري جدًا تمييزُ العظَمة الحقيقية من العظَمة المزيفة ومَنْحُ الحُبِّ للعظَمة الأولى فقط. فالعظَمةُ الحقيقية هي الثمرة الصالحة التي تنمو على الشجرة الصالحة، والشجرةُ الصالحة هي استعداد النفس القريبة من القداسة. يجب تفَحُّصُ العظَمات الأخرى المزعومة تفحُّصًا هادئًا بأعصاب باردة كما نتفحَّص تُحَفًا طبيعيةً نادرة. وحتى إذا كان التقسيم إلى فئتين ينطوي في الواقع على أخطاء فليس إدخالُ مبدأ التقسيم نفسه في عمق القلب أقلَّ ضرورة.

المفهوم الحديث للعلْم مسؤول عن الفظائع الحاليَّة شأنُه شأنُ المفهوم الحديث للتاريخ وللفن، ويجب تغييرُه هو الآخر قبل التمكُّن من التأمل في رؤية حضارةٍ أفضل يبزغ نورُها.

وهذا أمرٌ أساسي فضلًا عن أن سطْوةَ العلْم والعلماء على جميع العقول هائلةٌ وتتجاوز كلَّ شيء آخر تجاوزًا كبيرًا في البلدان غير الشمولية، على الرغم من أن العلْم شأن يتعلَّق حصرًا بالمختصين. ففي فرنسا، عندما نشبَت الحربُ، ربما كان ذلك حتى هو الشيء الوحيد الذي بقي؛ ولا شيء غيره أصبحَ موضعَ احترام. وفي جو المتحف [العلمي] ﭙـاليه دو لا ديكوﭭيرت [قصر الاكتشاف] Palais de la Découverte، في عام 1937، كان هناك شيء دِعائي وشِبْه ديني في آنٍ معًا، بحمْل هذه الكلمة على معناها الأكثر ابتذالًا. العلْم مع التقنية التي ليست سوى تطبيق له هو حجَّتُنا الوحيدة في أنْ نفتخرَ بأننا غربيون، أناس من العِرْق الأبيض، عصريون.

فالمبشِّر الذي يُقنِع ﭙولينيزيًا[24] بالتخلِّي عن تقاليد أجداده الشاعرية جدًا والجميلة جدًا عن خَلْق العالَم لصالح مأثورات [سِفْر] التكوين Genèse المتشربة بشاعرية مشابهة جدًا، هذا المبشر ينهل قوَّتَه الإقناعية من الإحساس الذي لديه بتفوُّقِه كإنسان أبيض، وهذا الإحساس مبنيٌّ على العلْم. مع ذلك فالمبشر شخصيًا غريب عن العلْم كغرابة الـﭙولينيزي، لأنَّ كلَّ من لم يكن مختصًا هو غريب تمامًا عن العلْم. لا بل سِفْر التكوين غريب عنه أيضًا. ومُدَرِّسُ القرية الذي يسْخر من الخوري والذي يَصْرِفُ بموقفه الأطفالَ عن الذهاب إلى القداس ينهل قوَّتَه الإقناعية من الإحساس الذي لديه بتفوُّقِه كإنسان عصري على عقيدة من القرون الوسطى، وهذا الإحساسُ مبنيٌّ على العلْم. مع ذلك فإن نظرية آينشتاين، بالنسبة إلى إمكانياتها في الضبط، أقلُّ ما يقال عنها هو أنها مبنية قليلًا على الحس السليم وحتى أنها منافية له شأنُها كشأن الموروث المسيحي المتعلق بالحَمْل بالمسيح وبولادته.

نشكُّ في كل شيء في فرنسا، لا نحترم شيئًا، هناك أناسٌ يستهزئون بالدِّين وبالدولة وبالمحاكم وبالمُلْكية وبالفن وأخيرًا بكل شيء؛ لكنَّ استهزاءهم يتوقف أمام العلْم. ليس لمذهب العِلْمية[25] الأكثر ابتذالًا أنصارٌ أكثرُ تحمُّسًا من اللاسلطويين [الأناركيين]. الدانتيك le Dantec هو مُعلِّمهم الأكبر. و"اللصوصُ المأساويون" « bandits tragiques »[26] الذين قادهم "بونُّو" Bonnot ينهلون منه إلهامَهم، ومن كان فيهم أكثرَ بطولةً من الآخرين في نظر رفاقه كان يلقَّب بـ "رَيمون العِلْم" « Raymond la Science ». في الطرف الآخر نجد كهنةً أو رجالَ دِين تأخذهم الحياةُ الدينية إلى درجة الاستهزاء بجميع القيم الدنيوية، لكن استهزاءهم يتوقف أمام العلْم. وفي جميع المجادلات التي يَظْهَر فيها العلْمُ والدِّينُ متنازعَينِ يكون لدى الكنيسة دونيةٌ فكرية تكاد تكون مضحكةً، إذْ إنَّ هذه الدونية لا تُعْزى إلى قوة حجج الخصم التي عمومًا ما تكون رديئةً جدًا، بل تُعْزى فقط إلى عقدة نقص.

أمام هيبة العلْم ليس هناك أناس غير مؤمنين. إنَّ ذلك يمنح العلماءَ والفلاسفةَ أيضًا والكُتَّابَ بما أنهم يكتبون عن العلْم مسؤوليةً مساويةً للمسؤولية التي كانت على كهنة القرن الثالث عشر. كلا الطرفين بشرٌ يُطْعمهم المجتمعُ لكي يجدوا متَّسعًا من الوقت للبحث عن معنى الحقيقة وإيجاده وتبليغه. في القرن العشرين كما في القرن الثالث عشر، كان الخبزُ الذي أُنفِقَ لهذا الغرض تبذيرًا على الأرجح لسوء الحظ، أو ربما أكثر من ذلك.

في كنيسة القرن الثالث عشر كان هناك المسيح؛ ولكنْ كان هناك محاكمُ التفتيش. ليس في عِلْم القرن العشرين محاكمُ تفتيش، ولكن ليس فيه المسيح أيضًا ولا أي شيء معادل.

إن العبء الذي يتحمَّله اليوم العلماءُ وجميعُ الذين يكتبون عن العلْم ثقيل بحيث يكونون هم أيضًا، شأنهم كشأن المؤرخين وحتى أكثر من ذلك، أكثرَ مسؤوليةً ربما عن جرائم هتلر من هتلر نفسه. هذا ما يَظْهَر في مقطع من كتاب كفاحي Mein Kampf[27]: "على الإنسان ألاَّ يقعَ في خطأ الاعتقاد بأنه رَبُّ الطبيعة وسيِّدها... فيشعر عندئذٍ بأنه لا يستطيع أنْ يُقيمَ قوانينَ خاصةً في عالَم تتَّخذ فيه الكواكبُ والشموسُ مساراتٍ دائريةً وتدور فيه أقمارٌ حول كواكب وتسيطر فيه القوةُ في كل مكان وتبقى وحدَها سيِّدةَ الضعف الذي تُرغِمُه على خدمتها مذْعنًا أو تُحطِّمَه".

تُعبِّر هذه السطورُ بطريقة لا مأخذَ عليها عن الاستنتاج الوحيد الذي يمكن بعقلانيةٍ استخلاصُه من مفهوم العالَم الذي ينطوي عليه عِلْمُنا. ليست حياةُ هتلر برُمَّتها سوى تطبيق لهذا الاستنتاج. فمن يستطيع أن يلومه على تنفيذ ما اعتقدَ أنه حقيقة. والذين لم يدركوا ذلك الاعتقادَ ولم يترجموه أفعالًا، وهم يَحْمِلون في داخلهم أُسُسَ الاعتقاد نفسِه، لم يفلتوا من الجريمة إلاَّ لعدم امتلاك نوع معيَّن من الشجاعة الموجودة فيها.

مرةً أخرى، ليس من الصواب اتِّهامُ المراهق المهمَل البائس المتسكع ذي النفس الجائعة، بل اتِّهام الذين غذَّوه بالكذب. والذين غذَّوه بالكذب هم أسلافنا الذين نشبههم.

في كارثة عصرنا، يحمل الجلاَّدون والضحايا كلاهما عن غير قصد وقبل كل شيء شهادةً على البؤس الفظيع الذي نقبع في عمقه.

لامتلاك الحق في معاقبة الجُناة يجب أولًا أن نُطهِّرَ أنفسَنا من جريمتهم الموجودة متنكِّرةً بجميع الأشكال في نفوسنا. لكنْ إذا نجحنا في هذا المسعى لن تعودَ لنا رغبةٌ في العقاب بمجرِّد إتمام مسعانا، وإذا اعتقدْنا أننا مجبَرون على المعاقبة فسنعاقِب بأقل ما يمكن وبأقصى ألم.

لقد رأى هتلرُ جيدًا عبثيةَ مفهوم القرن الثامن عشر الذي مازالت له مكانةٌ اليومَ، والذي فضلًا عن ذلك يعود أصله أساسًا إلى ديكارت. فمنذ قرنين أو ثلاثة قرون كانوا يعتقدون في آنٍ معًا بأن القوة هي السيدة الوحيدة لجميع ظواهر الطبيعة وبأن البشر يمكنهم ويجب عليهم تأسيس علاقاتهم المتبادلة على العدالة التي يُعترَف بها بواسطة العقل. إنها لعبثيةٌ صارخة. فمن غير المعقول أن يخضعَ كلُّ شيء في الكون حتمًا لسلطان القوة وأن يتمكن الإنسانُ من النجاة منه، في حين أنه مخلوق من لحم ودم وأن تفكيره يسير على هوى الانفعالات الحسية.

ليس هناك إلاَّ خيار ينبغي القيام به. إما أنه يجب استكشاف مبدأ آخر غير القوة يعمل إلى جانبها في الكون، وإما يجب الاعتراف بالقوة كسيدة وحيدة وذات سيادة مطلقة على العلاقات الإنسانية أيضًا.

في الحالة الأولى، نتعارض تعارضًا جذريًا مع العلْم الحديث كما وضع أساسَه غاليليه وديكارتُ وغيرُهم وتابعَه في القرن الثامن عشر نيوتنُ بصورة خاصة واستمر في القرن التاسع عشر والعشرين. وفي الحالة الثانية، نتعارض تعارضًا جذريًا مع النزعة الإنسانية [الإنسية] humanisme التي ظهرَت في عصر النهضة والتي انتصرَت عام 1789 والتي أصبحَت مَصْدرَ إلهام لكل الجمهورية الثالثة آخذةً شكلًا منحطًّا إلى حد كبير جدًا.

إن الفلسفة التي ألهمَت الفكرَ العلماني والسياسةَ الراديكالية تقوم في آنٍ معًا على هذا العلْم وعلى تلك النزعة الإنسانية، المتعارضَينِ بوضوح كما نرى. لا يمكن القولُ إذًا بأن انتصار هتلر على فرنسا عام 1940 كان انتصارًا للكذبة على الحقيقة. فالكذبة المترابطة هزمَت الكذبةَ المتفككة. ولهذا السبب انهارت العقولُ في الوقت الذي انهارت فيه الأسلحةُ.

على مر القرون الأخيرة، كان الشعور بالتناقض بين العلْم والنزعة الإنسانية شعورًا غامضًا، على الرغم من عدم وجود الشجاعة الفكرية أبدًا لمواجهة هذا التناقض. لقد حاولوا حلَّه بدون أن يعرِضوه أولًا على الأنظار. عدم النزاهة الفكرية هذه تكون عاقبتها دائمًا الوقوع في الخطأ.

كانت النفعية utilitarisme ثمرةَ إحدى هذه المحاولات. وهو افتراض وجود آلية صغيرة رائعة تصبح القوةُ من خلالها منتجةً أوتوماتيكية للعدالة عندما تدخل في دائرة العلاقات الإنسانية.

تقوم الليبراليةُ الاقتصادية لبرجوازيي القرن التاسع عشر بالكامل على الاعتقاد بمثل هذه الآلية. الشرطُ الوحيد لكي تكون للقوة خاصيةُ الإنتاج الأوتوماتيكي للعدالة هو أن على هذه القوة أن تأخذَ شكْلَ المال مع استبعاد كل استخدام للأسلحة أو للسلطة السياسية.

وليست الماركسيةُ سوى اعتقاد بآلية من هذا القبيل. عندها تسمَّى القوةُ بالتاريخ؛ وتأخذ شكْلَ صراع الطبقات؛ وتُرَدُّ العدالةُ إلى مستقبل لا بد أنْ يسبقَه نوعٌ من الكارثة الأﭙوكاليـﭙتية [التدميرية] apocalyptique.

وهتلرُ هو الآخر وقعَ في الاعتقاد بوجود هذه الآلية الصغيرة على الرغم من شجاعته الفكرية وبُعد نظره. لكنْ كان يَلْزَمه نموذجٌ لآلة لا مثيل له. إلاَّ أنه لم يكن لديه المَيلُ إلى الاختراع الفكري ولا القدرة على ذلك خارج بعض ومضات الحدْس العبقري. لذلك اقتبس نموذجَ آلته من الناس الذين كانوا يضايقونه باستمرار بالاشمئزاز الذي كانوا يوحونه له. فاختار ببساطةٍ مفهومَ العِرْق المختار كآلة، العِرْق المقدَّر له أن يُخضِعَ كلَّ شيء، ومن ثَمَّ يُرْسيَ بين عبيده نوعًا من العدالة التي تليق بالعبودية.

ليس هناك إلاَّ سلبية واحدة لجميع هذه المفاهيم المختلفة في الظاهر والمتشابهة في العمق، هذه السلبية هي نفسها في الجميع. إنها سلبية أن جميعَ هذه المفاهيم كذب.

فليست القوةُ آلةً تَخْلُق أوتوماتيكيًا العدالةَ. إنها آلة عمياء تخرج منها مصادفةً وبدون تمييز النتائجُ العادلة أو الظالمة، ولكن بلعبة الاحتمالات تكاد تكون دائمًا ظالمة. ولا يفعل مرورُ الزمن فيها شيئًا؛ إذْ لا يزيد في عمل هذه الآلية النسبةَ الضئيلةَ جدًا من النتائج المطابقة للعدالة مصادفةً.

وإذا كانت القوةُ قطْعًا ذاتَ سيادة مطلقة فإن العدالة غير حقيقية قَطْعًا. لكنها ليست كذلك. ونعرف ذلك بالتجربة. فهي حقيقية في عمق قلوب البشر. بنيةُ القلب البشري هي حقيقة من بين حقائق هذا الكون، مثلها كمثل مدار النجم.

ليس في مقدور الإنسان أن يستبعدَ مطْلقًا كلَّ نوع من عدالة الغايات التي يحدِّدها لأفعاله. النازيون أنفسهم لم يستطيعوا ذلك. ولو كان ذلك ممكنًا لبشر لكان ممكنًا لهم بلا شك.

(بالمناسبة، إنَّ تصوُّرَهم عن النظام العادل الذي لا بد في نهاية المطاف من أن يَنْـتُجَ عن انتصاراتهم يقوم على فكرة أن العبودية هي الظرف الأعدل والأسعد في آنٍ معًا لجميع هؤلاء الذين يكونون عبيدًا بالطبيعة. غير أن هذه الفكرة هي فكرة أرسطو وحجَّتُه الكبرى في الدفاع عن العبودية. كان القديس توما Saint Thomas، على الرغم من أنه لم يؤيد العبوديةَ، يَعتبِر أرسطو أكبرَ سلطة بالنسبة لجميع الموضوعات الدراسية السهلة المنال على العقل البشري، ومن بينها العدالة. وبالتالي فإن وجود تيار تُوْمَويٌّ thomiste في المسيحية المعاصرة يشكِّل رابطةَ تواطؤ – من بين روابطَ أخرى كثيرة للأسف - بين المعسكر النازي والمعسكر الخصم. لأنه على الرغم من رفضِنا لفكرة أرسطو هذه يحمِلُنا جهْـلُنا حتمًا على قبول أفكار أخرى هي أصل لتلك الفكرة. فالإنسان الذي يتكلَّف عناءَ الدفاع عن العبودية لا يحبُّ العدالةَ. والعصرُ الذي يعيش فيه لا يفعل شيئًا لأجلها. إنَّ قبول فكرة إنسان لا يحبُّ العدالةَ كفكرة يُعوَّل عليها يشكِّل إهانةً للعدالة، وعاقبةُ هذه الإهانة هي حتمًا تناقُصُ التمييز. إذا كان القديس توما قد ارتكب هذه الإهانةَ فلا شيء يجبرنا على تكرارها.)

إذا كانت العدالةُ راسخةً في قلب الإنسان فإن لها حقيقةً في هذا العالَم. عندئذٍ يكون العِلْم هو المخطئ.

ليس العلْم إذا كان علينا توخِّي الدقةَ، بل العلْم الحديث. كان اليونانيون يمتلكون علْمًا هو أساس عِلْمنا. وكان يتضمن الحسابَ والهندسةَ والجبرَ على شكلٍ خاص بهم، والفَلَكَ والميكانيكَ والفيزياءَ والبيولوجيا. كانت كميةُ المعارف المتراكمة بصورة طبيعية أقلَّ بكثير. لكنَّ هذا العِلْمَ كان يساوي علْمَنا ويتجاوزه في الخاصية العلْمية بالمعنى الذي تأخذه هذه الكلمةُ عندنا وبحسب معاييرَ مقبولةٍ في نظرنا. كان أكثرَ دِقَّةً، أكثرَ تحديدًا، أكثرَ صرامةً. فكان استخدامُ البرهان واستخدامُ المنهج التجريبي كِلَيهما قد تمَّ تصوُّرُه بوضوح تام.

إذا لم يتمَّ الإقرارُ بذلك عمومًا فذلك يعود فقط إلى أن الموضوع غير معروف كثيرًا. سيفكِّر قليلٌ من الناس في الغوص في محيط العلْم اليوناني كما يغوص المرءُ في شيء حالي وحي، إذا لم يدفعْهم إلى ذلك استعدادٌ خاص. والذين غاصوا لم يجدوا صعوبةً في التعرف على الحقيقة.

لقد اعترفَ جيلُ علماء الرياضيات الذي يناهز اليوم الأربعين عامًا بأن العودة إلى الدقة اللازمة للعلماء تتم حاليًا من خلال استخدام مناهجَ تكاد تكون مطابِقةً لمناهج المهندسين géomètres اليونانيين، وذلك بعد خُـبُـوٍّ طويل للعقل العلْمي في تطور الرياضيات.

أما بشأن التطبيقات التقنية فإذا كان العلْم اليوناني لم ينتج الكثيرَ منها فليس لأنه غير قادر على ذلك، بل لأن العلماء اليونانيين لم يكونوا يريدون ذلك. فهؤلاء الناس الذين كانوا يبدون أنهم متخلفون جدًا مقارنةً بنا كما يليق بأناس منذ خمسة وعشرين قرنًا كانوا يخشون من نتيجة الاختراعات التقنية القابلة لأنْ يستخدمَها الطغاةُ والغزاة. وهكذا، بدلًا من تعميم أكبر قدر ممكن من الاكتشافات التقنية وبيعها لصاحب أكبر عرْض، كانوا يحتفظون في سرِّية صارمة بالاكتشافات التي يحصل لهم أن يقوموا بها للتسلية؛ وعلى الأرجح كانوا يظلُّون فقراء. إلاَّ أن أرخميدس طبَّقَ ذات مرة معرفتَه التقنية للدفاع عن وطنه. وطبَّقَه بنفسه من دون أن يكشفَ أيَّ سرٍّ لأحد. ومازال اليومَ سرْدُ معظم الأعاجيب التي عرفَ كيف ينجزها غير مفهوم لنا. ونجح بحيث أن الرومان لم يدخلوا سرقوسة [سيراقوسة/سيراكوزا] Syracuse إلاَّ بشيء أَشْبهِ بالغدْر.

إلاَّ أنَّ هذا العِلْمَ، كعِلْمنا في عِلْميته أو زيادة، لم يكن ماديًا على الإطلاق. لا بل لم يكن دراسةً دنيوية. فاليونانيون كانوا يعتبرونه دراسةً دينية.

ترجمة: محمد علي عبد الجليل

*** *** ***

 


 

horizontal rule

[1] نُومَـنْسِيا Numance: مدينة قديمة في إسبانيا [شمال هِسْبانيا] قرب مدينة سُوْرِيَا Soria الحالية في قشتالة وليون Castille-León. (المترجم)

[2] شيشرون Cicéron (106 ق. م. – 43 ق. م.): خطيب وسياسي وكاتب روماني. وهو ماركوس توليوس كيكرو Marcus Tullius Cicero صاحب إنتاج ضخم يعتبر نموذجًا مرجعيًا للتعبير اللاتيني الكلاسيكي (المترجم)

[3] بورج Bourges: مركز محافظة لوشير le Cher في منطقة وسط فرنسا. (المترجم)

[4] لوقريطُس Lucrèce: شاعروفيسلوف لاتيني (98 – 55 ق. م.). واسمه: تيطُس لوقريطيوس قارُس Titus Lucretius Carus. (المترجِم)

[5] هيرودوت أو هيرودوتُس Hérodote: مؤرِّخ إغريقي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد (484 ق. م - حوالي 425 ق. م). عُرِفَ بأبي التاريخ. وصَفَ في كتابه "تاريخ هيرودوتس" أحوالَ البلاد والأشخاص التي لاقاها في ترحاله حول حوض البحر الأبيض المتوسط والحروب بين الإغريق والفُرْس أو الميديين. (المترجِم)

[6] إشارةً إلى أولى حكايات لافونتين في الكتاب السابع وهي بعنوان: Les Animaux malades de la Peste [الحيوانات المريضة بالطاعون]. وهي إحدى الأساطير التي كتبَها الشاعرُ الفرنسيُّ جان دو لا فونتين Jean de La Fontaine‏ (1621 – 1695). تقول الحكاية: انتشر الطاعونُ في إحدى الغابات. فجمعَ ملِكُ الغابة الحيواناتِ وألقى عليها خطابًا بصوت متأثر: "هذه الكارثة عقابٌ لنا على أخطائنا. فسأعترف بدنوبي. أعترفُ بأنني افترسْتُ كثيرًا من الأغنام البريئة. فالحكم لكم إذَنْ." فأجابت الحيواناتُ: "أوَتظنُّ يا مولانا بأن افتراس بعض الخراف خطأ فادح؟! فنحن كذلك." ثم شرَعَ كل واحد يذْكر أعمالَه السيئة. لقد افترس الفهد عدةَ مرات وقتلَ النسر الأرانبَ واختطفَ الذئبُ والثعلبُ حيواناتٍ بريئةً. وحتى البومة التي تظهر هادئةً قد افترسَت بدورها عصافيرَ وصغارَ الفئران. وأخيرًا جاء دَور الحمار فقال وعلاماتُ الذل بادية على وجهه: "ارتكبْتُ أنا أيضًا خطًا فادحًا! فقد أكلْتُ ملءَ فمي عشبًا من حقل الغير." عندئذٍ توجَّهَت الأنظارُ إلى الحمار المسكين تتَّهمه. وأفتى الذئبُ الذي اتَّخذَ دَورًا إكليريكيًا بضرورة التضحية بهذا الحمار اللعين. فأخذَت الحيواناتُ تَشْتمه وتصيح متَّـفقةً على إدانته: "احكموه! احكموه! فهو المسؤول الحقيقي عن الطاعون!" (المترجم)

[7] سيلاَّ Sylla (138 – ق. م. 78 ق. م.): جنرال ورجل دولة روماني. كان سيد روما. وبعد أن قام بحملات انتصر فيها في اليونان وآسيا سُمِّيَ "دكتاتورًا مدى الحياة". (المترجم)

[8] يورد المنقولُ الإسلامي بشأن التربية التي تلقَّاها محمد حديثًا يقول: "أدَّبَني ربي فأحسن تأديبي." (حديث ضعيف الإسناد ورد في كنز العمال، ج 11، ص 406). وفي رواية أخرى، أخرج ابنُ عساكر من طريق محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده: أنَّ أبا بكر قال: "يا رسول الله! لقد طفْتُ في العرب وسمعْتُ فصحاءهم فما سمعْتُ أفصحَ منك، فمن أدَّبك؟" قال: "أدَّبني ربي، ونشأْتُ في بني سعد." (المترجم)

[9] ماركوس أوريليوس أنطونينوس أوغسطس Caesar Marcus Aurelius Antoninus Augustus (121 - 180): الأمبراطور الروماني الفيلسوف. كان آخر خمسة أباطرة جيدين [الأنطونيين] Antonins حكموا الإمبراطورية الرومانية من 96 إلى 180، كما أنه يُعتبَر من أهم الفلاسفة الرواقيين. تميز عهده بالحروب في آسيا ضد إعادة الإمبراطورية البارثانية، والقبائل الجرمانية إلى بلاد الغال عبر نهر الدانوب. وكفيلسوف فإن تأملات ماركوس أوريليوس التي كُتِبَتْ في حملته بين 170-180، ما زالت تُعتبَر أحدَ الصروح الأدبية في الحكم والإدارة. (المترجم)

[10] "اللائكية - كصياغة عربية – مشتـقَّةٍ من لفظٍ أجنبي لاتيني هو "laicus" وهو بدَوره مأخوذ من اللفظ اليوناني "laos" ومعناه "الشعب". غيرَ أنَّ استعمالَه اللاتيني قد تَخَصَّصَ في قسم من "الشعب" وبالتالي لا يدلُّ على الشعب بإطلاق، وإنما يدل على "الشعب" بالمعنى الوطيء للكلمة، وذلك في مقابل "الكاهن" clerc، وهو رجل المعرفة "العالِم" (من اللفظ اليوناني clêros بمعنى الحظ، الموروث)، والمقصود رجل الدين (المسيحي) المنتظم في سلك الكهنوت الكنسي." (عن: الإصلاح تَـبْـيِـئَةُ المفاهيم: "العلمانية" نموذجًا...، محمد عابد الجابري، الحياة) (المترجِم)

[11] تيت-ليـﭪ Tite-Live: مؤرخ لاتيني (59 ق. م. – 10 م.). يؤسِّسُ كتابُه Histoire de Rome [تاريخ روما] الشعورَ الوطنيَّ على الفضيلة الرومانية التقليدية. (المترجم)

[12] ﭭـيرجيل [ﭭرجيل] Virgile: شاعر روماني، واسمه: ﭙوبليوس ﭭرجيليوس مارو (أو فرقيلش) Publius Vergilius Maro (70 ق. م. – 19 ق. م.). من كتاباته: الإنياذةُ l'Énéide. (المترجم)

[13] أريستيد Aristide: رجل سياسي أثِني (550 – 467) سُمِّيَ بالعادل لنزاهته. (المترجم)

[14] أريوست L'Arioste هو لودوﭭيكو أريوستو Ludovico Ariosto (1474 – 1533): شاعر إِيطالي, ولد في ريجيو إِميليا Reggio Emilia وتوفي في فرّارا Ferrara. أحبَّ حريته ووطنه فوق كل شيء وتغنّى بهما في شعره الذي ضاهى شعر هوراسَ Horace. بدأ حياته بائسًا وسط ظروف مادية صعبة واضطر إِلى الخدمة في البلاط تسيّره أهواء الأمراء وأمزجتهم وترغمه على العيش بعيدًا عن وطنه. ارتبط لودوﭭيكو أريوستو بالأسرة المالكة إِيست Este، وبقي في خدمة الكاردينال إﭙوليت إِيست Hippolyte D'Este، ابن الدوق هرقل الأول Hercule l، أربعة عشر عامًا تنقَّـل فيها بين منتوﭭـا Mantova وميلانو وروما. يُعدّ أريوستو من رواد المسرحية الاتباعية في إِيطالية، على الرغم من اتِّباعه الأسلوب الشعبي التوسكاني واستخدامه اللهجة العامية ليخاطب أكبر عدد من الجمهور. والحقيقة أن أصالة قصيدته «أورلاندو الثائر» التي اقترنَت شهرتُه بها تكمن في تحرره من قواعد الفن الشعري لأن موضوعها مقتبس ومألوف يدور حول قصة حب جرت وقائعها في أثناء الحروب الصليبية. (عن الموسوعة العربية، حنان المالكي) (المترجم)

[15] قصيدة ملحمية كتبها الشاعرُ الروماني ﭭيرجيل من 12 نشيدًا (29 – 19 ق. م.) وتتحدث عن استيطان الطرواديين في إيطاليا وتأسيس روما. (المترجِم)

[16] تغطِّي كلمةُ "good" حقلًا دلاليًا واسعًا في اللغة العربية، ومن معانيها: جيِّد، حسَن، مفيد، صحيح، طيِّب، نبيل، قدير، مُفْرِح، ميمون، ضخم، خيِّر، خيْر، حميد، إلخ. وتعني كلمةُ "wicked": شرِّير، خبيث، مؤذٍ، باهظ، إلخ. (المترجم)

[17] جيوتو Giotto: رسَّام فلورَنْسي (1266 – 1337). (المترجم)

[18] المَلِك لير King Lear (بالفرنسية: Le Roi Lear): هي مسرحية تراجيدية كتََبها وليام شكسبير ما بين سنة 1603 و1606 وقُدِّمَت على المسرح لأول مرة سنة 1606. وتتألَّف من خمسة فصول شعرية ونثرية. استمدَّ شكسبيرُ الحبكةَ من كتاب هولنشد عن تاريخ إنكلترا. واقتبس الحبكةَ الثانوية مما رواه سبنسر في ملحمته الشعرية "مملكة الجان". وضَعَها النُّقادُ على قمة ما كتبَ شكسبيرُ. تَرجَمَ المسرحيةَ إلى العربية د. محمد عناني ود. فاطمة موسى وجبرا ابراهيم جبرا. (المترجم)

[19] موريس سيـﭪ Maurice Scève (1501 – 1564): شاعر فرنسي، ولد في مدينة ليون Lyon من أب محام، وفي عائلة برجوازية مزدهرة الحال لها مكانتها في الحياة العامة. تلَقَّى ثقافةً فكرية غنية، مع ترجيح حصوله على دكتوراه في الحقوق. وكانت علاقته بمدينة أﭭينيون Avignon طويلة فقد درس فيها، وارتبط في عام 1530 بوكيل الأسقف هناك واكتشف تابوت لَوْرا Laura في إحدى كنائسها، وهي الحبيبة التي تغنَّى بها الشاعر الإيطالي بتراركا Pétrarque. (المترجم)

[20] جيرار دو نيرﭭـال Gérard de Nerval (1808 – 1855) هو جيرار لابروني Gérard Labrunie، كاتب فرنسي تميزت أعمالُه بالسفر والتصوف والحلم. عانى من أزمات جنون وانتحر شنقًا. (المترجم)

[21] ستيفان مالارميه Stéphane Mallarmé (1842 – 1898): شاعر رمزي فرنسي ابتكرَ خلال بحثه عن المطلق لغةً شعرية تلميحية وإيجازية وكان مشروعه الطَّموح عملًا يُسمَّى "Le Livre" ("الكتاب"). (المترجم)

[22] فرانسوا رابليه François Rabelais: كاتب فرنسي وراهب وطبيب (1494 – 1553). (المترجم)

[23] إيتيين دو لا بويسي Étienne de La Boétie (1530 – 1563): شاعر فرنسي وصديق الشاعر مونتيني Montaigne.

[24] الـﭙولينيزي Polynésien: أحد سُكَّان ﭙولِنيسيا أو ﭙولينيزيا La Polynésie وهي مجموعة كبيرة من الجُزُر في المحيط الهادي تابعة لقارة أوقيانوسيا L'Océanie. (المترجِم)

[25] العِلْمية أو مذْهب العِلْمية scientisme هي شكل من أشكال الفلسفة الوضعية، وهي مذهب يقرُّ بالاكتفاء بالعلْم من حيث قدرتُه على حل جميع المشاكل واستطاعتُه في أن يمدَّ الإنسانَ بفلسفة شاملة للحياة. (المترجم)

[26] "اللصوصُ المأساويون" « bandits tragiques »: مجموعة أناركيين قادها جول جوزيف بونُّو Jules Joseph Bonnot (1876 – 1912). (المترجم)

[27] كتاب كفاحي Mon Combat (بالألمانية: Mein Kampf) هو كتاب للزعيم أدولف هتلر. جمَعَ الكتابُ بين عناصر السيرة الذاتية والشرح التفصيلي لنظريات هتلر النازية. أملى هتلرُ، أثناء وجوده في سجن لاندسبرج، معظمَ المجلد الأول من كتابه. (المترجم)

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني