بوحٌ لأمِّي

 

موسى ديب الخوري

 

 

 أمي...

الصيفُ اللاهبُ عَبَرْ

وتشرينُ أوشكَ أن يمضي

...

تعالي...

تعالي يا أمي

ضعي شالَكِ الأصفرْ

المطرَّزِ بخريفٍ ليلكي

وهاتي ملءَ كفَّيكِ

اللوزَ والزبيبَ الأشقرْ

...

املئي لي الكاسَ

من نبيذكِ الأطهرْ

أوقدي الأغصانَ اليابسةْ

وألهبي الشعلةَ الناعسةْ

وضُمِّيني في وحدتي

لَكَمْ أشتاقُ يا أمي

لضمٍّ لا يفترْ

...

وافردي لي حضنَكِ

وانثري على شعري

أناملَ الكوثرْ

حتى إذا سرى دفؤك

وهمسُك المعطَّرُ

في قلبي وجسمي

ورَنَتْ حكاياتُ السهرْ

وجنَّ صمتي

بُحتُ يا أمي

بُحتُ بحبِّ نجمتي

وانداحَ حلمي

وتفجَّرْ!

***

آه يا أمي

هذا الصبيُّ الأسمرُ

فاضَ فيه صمتُه... يوماً

فوقفَ كالربيعِ الأنضرِ

يرتِّلُ لنجمةِ الفجرِ

أنشودةَ السَّحَرْ...

...

آه... يا أمي

لا تَسَلِي

كيف حملتْه النجمةْ

والسرُّ عطرُ الكلمةْ

وزرعتْه في سمائها

بدراً

فاستفاقَ كالشجرْ

وهَمَا كالمطرْ...

...

لا تَسَلِي يا أمي

كيف ملأتِ الريحُ أنفاسَهُ

بحلمٍ ألهبَ أحلامَهُ

صارَ كلُّه شرقاً

صارَ كلُّه عشقاً

وانداحَ صمتُهْ

وشَفَّ بوحُهْ

آه... يا أمي

كيف صارَ صمتي

كبوحِ النظرِ

شعاعَ القمرْ؟!

***

آه يا أمي

وافتْني نجمةُ الفجرِ

كما لو من أعماقي بُعِثَتْ

كما لو في روحي زُرِعَتْ

توَّجتْني بالغارْ

وطهَّرتْني بالنارْ

وبصمتِ السرِّ

أعلنتْ

أنني أنا القمرْ!

...

آه يا أمي

كما لو أنني عدتُ

من ألف سفرْ

كما لو أنني كنتُ

ألفَ ألفَ حَجَرْ

وبلمسةِ السحرِّ

بلا قيدٍ ولا وطرٍ

راح هذا الجليدُ

يتكسَّرْ!

...

آه يا أمي

آه... كيف صار القلبُ

المرجَ الأخضرْ

كيف ضمَّ الهدبُ

الكونَ الأكبرْ

وكيف يا أمي

صار الصمتُ همساً

ثم علا...

وهدرْ...

وصارتِ الوحشةُ أنساً

والليلُ الطويلُ غدا

أغانيَ السَّمَرْ؟!

***

آه يا أمي

هذا الفتى الأصغرُ

في ملكوتكِ الأكبرْ

سرُّه ياسمينٌ عفيفْ

وألقُ فجرٍ شفيفْ

وقلبُه

آه... يا أمي

كونٌ من الحبِّ

أزهرْ

...

هذا الفتى يا أمي

سرُّه لا يُنشَرُ

هذا الفتى يا أمي

قلبُه الصامتُ أثمرْ

فكيف كيف يا أمي

لا يفيضُ الصمتُ فيَّ

صمتاً أغزرَ

أغزرْ؟!

***

هذا الصبي يا أمي

ما زال يتذكَّرُ

وفي البالِ مَشاهدُ وصورْ...

حوريةَ الأعماقْ

وطيفَ الآفاقْ

وشفقاً بالحبِّ تنوَّرْ...

...

آه... يا أمي

هذا الصبي المنذورْ

منذ أقدمِ العصورْ

لبحرٍّ مسحورْ

فيه الأكوانُ تنفطرُ

وفيه الأزمانُ تندثرُ

كيف يا أمي

بالله كيف

لا يسلِّم للحبْ

ولا يريق القلبْ

على مذبحِ القدرْ؟

وكيف يا أمي

إذا أُلهِمَ العشقْ

لا يُفنيه التوقْ

وبالصمتِ

لا ينتصرْ؟!

***

آه يا أمي

كيف نذرتُ عشقي

والعشقُ لا يُنذَرْ؟

وكيف كيف يا أمي

تسامى عشقي وجداً

وتجدَّد عهداً

لا يُحصَد

ولا يُبذَرْ؟!

...

أمي...

كيف يُقطَفُ الزهرُ؟!

كيف يتألَّق العمرُ

في لحظةْ

في ومضةْ

وفي فيضِ السنا

يغيب ويفنى؟!

ثم كيف في لمحة

يعود فيُسفِرْ؟!

...

بلى... بلى يا أمي

لا زلت أذكرُ

عهداً للهوى يُسكِرُ

ولا زلت بعهدِ الهوى

أُبعَثُ

وأنتصرْ...

***

آه يا أمي

إذا صمتي باحْ

وفي عيني لاحْ

سرٌّ فيَّ استترْ

كيف يا أمي

بالله كيف من فرحٍ

لا أنهمرْ؟!

وكيف كيف لا أعلنُ

أنني عائدٌ إليكِ

أزرعُ في حقلكِ

أبياتَ الشِّعرِ

وأرسمُ على وجهك

ترانيمَ النهرِ

وأحيي في قلبك

نارَ الجمرْ؟!

***

أمي...

هذا حلمي يبشِّر

بميلادٍ حلمُه الميلادُ

الصمتُ خفقةْ

والبوحُ ضمَّةْ

والنورُ كما الأعيادُ

في القلبِ ينتثرْ...

...

أمي...

هذا حلمي يُشهَرُ

على صفحةِ الأفقِ

طائرُ العشقِ

يُبعَث من رمادٍ

كأنه لهبٌ مستعرْ

يحلِّق فريداً... كالنسرِ

جناحُه لا ينكسرْ!

*** *** ***

من مجموعة سلافة القلب

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود