ستُ قصائد من قبل أن تبدأ الدراما

 

مؤمن سمير

 

عجوزٌ يغفو وسط الكلام

أيقنتُ أخيرًا أنه كان واهمًا، ذلك الذي ظن أن الدموع تحفر لها مجرىً آمنًا في صحراء الخد، أو أن تلك الدموع قد شَرَّت أساسًا من العينين في نفس الليلة التي طارَ فيها من أوراق حبيبتهِ..

الدموعُ يا صديقي جملةٌ منسيةٌ في جَيْبِ فنانٍ غامضٍ وشفيف، خطفها مجنونٌ وألقاها فاستقرت في ذلك القلب الذي يحيا على الخوفِ والنسيان...

عباراتٌ مثل هذه تجعلني أعيد النظر في أشيائي القريبة والبعيدة: أليس من الممكن أن تكون أقنعةً لقنابلَ قد تمزق أمي وتحرق صوتي وسجادتي التي اختبأتُ في نقوشها لأنجو من الزلزال؟ أَلا يصح أن تكون يد أبي التي تُحكم الغطاء من حولي وأنا أتظاهر بالنوم هي صاعقة الله الذي مَلَّ من ضجيجنا وبكائنا؟

أنفخُ وأُشَمِّرُ وأقول لنفسي أنا قادرٌ بما يكفي ثم أبدأُ بتكسير الجبال وإزاحتها من على صدري وكأنها سماواتٌ من الدخان.. لكنني للأسف أغفو كأي عجوزٍ في وسط الكلام، فتتسرَّبُ جبالٌ أخرى بدالها واسمها الظِلال.. ليسَ في غرفتي إلا الظِلال.. تتناسَلُ بهمَّةٍ وتملأ حائطًا وحائطًا والحوائطُ لها عيون والعيونُ لا تشغلني بما تراه ولكنها ترعبني بكل ما تقبض عليهِ ثم تُصِرُّ ألا تحكي.. حتى في ليالي الشتاء..

يتجمَّدُ قلبُهُ على مشهدٍ غير مؤثر

كنتُ قديمًا أحبُّ الروايات، لأن أشباحها تتسلل وتنام إلى جواري، سنوات وسنوات حتى نلتصق تمامًا فأملكُ حينها أكثر من حياة..

الغابةُ.. كنتُ أحبها أيضًا.. لأنها الجِنيَّةُ التي تربي أشباحًا صريحةً.. تمشي في الشوارع وتعطل المرور بينما تضحك.. كانت تقول بصوتٍ عالٍ ما عليك إلا أن تتبعني وكنتُ أتبعها هانئًا وخفيفًا..

لكنني الآن لا أحب شيئًا..

في زماني الأول، كانت قدرتي على المحبة عجيبةً ومربكة.. كان قلبي يقفزُ جواري ويربت عليَّ ببساطة وشراييني تغني وتنتفخُ وتطير.. كانت عيوني تدور هنا وهناك بحريةِ مَنْ فَرَّ من قيدهِ السميك..

وكانت الأمور تصل لدرجة أن أشاركَ ملاكًا غمزاتٍ بلا عدد ونحن نصطادُ من البحيرة..

لكنني الآن..

بعدما فتحتُ صندوقَ أبي المدفون تحتَ السرير..

وبعدما نطَقَت الخرساءُ وأخبرتني بكل ما كان..

وأمي التي عادت لكوخها قبل أن تبدأ الدراما..

صرتُ لا أحبُّ شيئًا..

صرتُ حرًا

كأنني رشقةُ ضوءٍ

جاحدة

لا تكُفُّ عن اختراق الأشياء..

أزمة منتصف العمر

قصائدُ كثيرة بدأتُها بـ "أُحِسُّ.."، و"رأيتُ.."، أو "أنا الذي.."، لكنني حقيقةً سَئِمْتُ من مرآتي وأشباحها وبتُّ لا أتحمَّسُ كثيرًا لكَفِّي وهي تكبرُ وتتشعب ثم تهوِي على الزجاج المراوغ وتنثر الدمَ والكوابيس وتملأ بهم كيسي المهترئ..

قصائد كثيرة بدأتها بـ"الرجل الذي.."، و"البنتُ.."، و"الغَيْمَةُ.."، و"الزحام..". لكنني سَئِمْتُ من التسلل وإخراج اللحمِ من العلبِ المدفونة في الطين..

واليوم وأنا أرى العجوز تقف لي أسفل الشرفة وهي تبتسمُ وتغمز بعينيْها.. صرتُ لا أحتملُ الموتى ولا الأحياء.. الطيورَ والشبابيكَ والكلابَ والأنهار.. كل الكائنات التي خانتني وسكنت هذه الصفحات أو تلك الشوارع أو حتى طارت في هذا الهواء..

صرتُ أتوقُ لقصيدةٍ تهرب من السماء والأرض التي تبتعد كلما خطونا عليها.. تصحو بلا غاباتٍ ولا معابدَ ولا حبٍ ولا عَرَق. تزحفُ بمكرٍ ثم تتآكلُ كلما سقطت على بطنها شمسٌ أو التصقَ بتلويحاتها قمر.. قصائد لا تقول شيئًا لكنها تحيا بأملٍ كاذبٍ وخبيث..  يبدو كأنهُ ينبض.

كلما مَرَّ عليه وَميضٌ يتيمٌ

أو ارتعشت على خُصْلَتِهِ

قُبْلَةْ...

تقرير

نائمٌ على الأرض نومتي الهاربةُ والدولاب جبلٌ منتصبٌ لحد السقف..

من الذي أقنعهُ بألا يعود دبًا شَرَدَ من القطيع بعدما حَلُمَ بأنه طائرٌ..

طائرٌ مسكينٌ تثقل الغيوم قلبه وتنقبض روحه كلما أمطرت السماء..

وما الذي منعَ الظلَّ الكبيرَ بالأمس من سحقي رغم أن السماء هَوَت وتأرجح المنزل ورقصت الطريق لتهتز الذكريات وتعود شابةً..

شابة تلعبُ بأكبر الشوارب على المقهى قبل الحرب

ناهيكَ عن الشباب الفَتِيِّ الذي حُلمَ بأن يحمل الدنيا على ظهرهِ ويطير

كلما ابتَسَمَت الجميلةُ في قلب هذا الكابوس..

فقط لو ابتَسَمَت..

حياتي

رغم أني ألهث طول عمري إلا أن مرآتي كانت سعيدة.. شهرٌ كامل فات عليَّ اليوم وأنا أجرُّ جوالي الذي بدأت خيوطه ترتعش كالزمن، ولم تلفت بضاعتي نظر مشترٍ واحد.. باروكاتٌ لامعة كانت تُطلُّ من بين ذراعيَّ تخصُّ عائلاتٍ مالكةْ سرقوا منها عروشها في عز النهار، جَلَبْتُها من آخر بلاد المسلمين، من روسيا وأفريقيا وبلادٍ تركبُ الأفيال، عَشَّقْتُها بكل ما يشبههم من روائح وخوذات وذهبٍ يعومُ في نقوشِهِ...

مشكلتي الأزلية هي الصرخات المشنوقة..

تغافلني كل فجرٍ وتصعد

وتبيتُ معي في قلبي الواسع..

قلبي الذي يندهش كل ليلةٍ لما يصير عجوزًا

.. فيمشي ببطءٍ

ويعودُ قبرًا

ويتنهد..

خَاتمُ الرحلة الأخيرة

تعاركتُ طويلاً مع أخوتي حول الخاتم الذي كان يقبعُ في صندوق أبي القديم.. لهثنا طويلاً ثم نمنا كالميتين لكني غافلتهم وسرقتهُ فغبتُ ولم أعد.. ومرت السنوات وأنا أمرقُ بين الناس فلا يحسون بكائي ولا يَشمُّونَ حزني رغم أني لا أحمل أجنحةً صلبة تؤذي جلدهم الرقيق ولم أضبط نفسي أبدًا وأنا أطمعُ في أمطارهم وقت الحصاد.. كانت ليلةً طويلةً بلا نهاية: جلس العفريتُ معي تحت الشجرة وحكى كيفَ أن الخَاتَمَ الذي سجنوه فيه كان ضيقًا وكئيبًا لكنهُ أحبَّهُ وصار مرضه الذي لا يفارقه رغم هروبه الكبير.. بعدها أَحَسَّ أنهُ باح لهذا الإنسي النَكِرَة بأكثر مما يجب فشدَّني من روحي واقتلعَ رائحتكم من عظمي.. وهكذا أقسو أيامًا وألهو أيامًا لكنَّ مَرَضي الذي لا يفارقني، يشبهُ كثيرًا غرفةً بعيدة كنا نُخَزِّنُ فيها الندى، مع الغِلالِ والظلام كلما حَكَت الجدة لتَسُدَّ جوعنا وتَعْمِي عنا الشتاء..

*** *** ***

 

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود