الصوم الفلسطيني

من الكفاح المسلَّح إلى الكفاح اللاعنفي

(مقاربة ثقافية)

 

كامل فرحان صالح*

 

شاء المفكِّر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد أن يبلور دائمًا الصيغ المسلَّم بها، ليعيد تقديمها تقديمًا يلامس الواقع والعقل بفاعلية أبرز وأقوى. يقول سعيد في كتابه الآلهة التي تفشل دائمًا:

العالمية تعني تحمُّل المخاطر كي نتجاوز الحقائق السهلة التي تقدِّمها لنا خلفيتنا ولغتنا وجنسيَّتنا، والتي غالبًا ما تحجب عنَّا حقيقة الآخرين.[1]

ويمضي قائلاً:

إذا شَجَبْنا عدوانًا غير مبرَّر لعدوٍّ فيجب أن نكون قادرين على فعل الشيء نفسه عندما تعتدي حكومتُنا على فريق أضعف. لا توجد قواعد يستطيع المثقفون بواسطتها معرفة ما يقولون أو يفعلون، وليس هناك أية آلهة للمثقف العلماني الحقيقي يجب أن تُعبَد ويُنظَر إليها من أجل هداية ثابتة.[2]

أنطلق من هذا الموقف، لأقف الآن على قضية جدار الفصل وصوم الأسرى الفلسطينيين في سجون الاعتقال الإسرائيلي. ما علاقة ما قاله إدوارد سعيد بهذه المسائل الآن؟ لا شكَّ أن ما يطرحه سعيد في النقطة الأولى يشير إلى وعي جديد وجدِّي للعالمية أو العولمة. بمعنى أن المطلوب الآن هو أن نقارب هذا الانفتاح، ليس على خلفية نتخندق فيها لننطلق إلى فعل أيِّ شيء أو قول أيِّ شيء؛ إنما المطلوب الآن أن نتجاوز هذه الخلفية/الخندق، ونخاطر للخروج منها، لنواجه الحقائق والعالمية أو العولمة بوعي، دون حُجُب أو مواقف مسبَّقة.

هذه الحالة الإنسانية المثقفة التي يقاربها سعيد، يمكن لنا أن نقرأها الآن في فعل إنساني حقيقي يمثِّل له الأسرى الفلسطينيون، وتدعمه الحكومة الفلسطينية، يساندهم آرون غاندي، حفيد المهاتما غاندي، فيلسوف اللاعنف.

الفلسطينيون الذين يخرجون الآن عن خلفية "العين بالعين" يطأون مرحلة مختلفة كليًّا، ينتقلون فيها من الكفاح المسلَّح إلى الكفاح اللاعنفي. ويشير أحد المراقبين قائلاً: "إذا ترسَّخ هذا الوعي الجديد لا شكَّ أن الفلسطينيين هم الكاسبون بعد سلسلة من الهزائم والخسائر."

كذلك يمكن لنا مقاربةُ النقطة الأخرى لسعيد بهذه العقلية الجديدة، التي علينا جميعًا التأسِّي بها علنًا، بحيث نشفى من فكرة "أُنصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا"، التي لم ترسِّخ سوى الهمجية والعنف ومواصلة أخطاء الأصدقاء والأشقاء، وتسبَّبت في انهيارات كارثية على صعيد الحسِّ الإنساني السليم وضميره وأخلاقه.

في السياق نفسه، يلاحظ المرءُ المتابع لمسار حركة التاريخ أن الحروب كلَّها وقعت في الأساس بعد خلاف فكري أو ديني أو اجتماعي–اقتصادي. وكان يلاحَظ دائمًا أن الحلول السطحية أدت باستمرار إلى بزوغ العنف مجددًا، ولم يكن بالإمكان استقرار الوضع نسبيًّا إلا بالسيف أو بالانتصار في الحرب. لكن هذه الحلول لم تؤدِّ إلى انتهاء "الخلاف" فقط، إنما إلى القضاء على "الاختلاف" أيضًا.

بالمقابل، يلاحَظ أن ثمة أسلوبًا أو نهجًا آخر اتُّبِعَ في السابق، ونجح أيضًا نجاحًا صحيًّا – إذا صحَّ التعبير. ولعل أبرز مَن يمثل لذلك: الديانة المسيحية والحركة الغاندية، حيث كسر هذا المسار اللاعنفي مفهوم السيطرة بالعنف والحرب والقمع، وذلك عبر اتساع مساحة المحبة والصمت والكلمة الطيبة الحق – على الرغم من أن المسيحية غيَّرتْ بعد ذلك مفاهيمها، وطَمَسَتْ ما انطلقتْ منه في الأساس.

أمام هذين الخطين: الحرب والمحبة، سارت المجتمعات الإنسانية لتثبت حضورها، وترسِّخ ثقافتها وديانتها، وتبسط اقتصادياتها.

لا شكَّ – برأيي – أن ما حَدَثَ ويحدث في العالم العربي يمتلك من الإشكاليات والصعوبات التي لا يمكن حلُّها أو فهمها بسهولة. ولعله يمكن لنا اختصارها على النحو التالي: صراع أحزاب مرضي، مسؤول صامت أو مهادن، خطابات غرائزية، قرارات سلطوية غاضبة ومرتجَلة، توجيه أفكار، تحريض وتضليل للحقائق، اضطهاد وقمع وقتل، وصمت الشريحة الكبرى من المجتمعات أو لامبالاتها.

ونحن نتأمل هذه العناوين الصغيرة، الكبيرة في مدلولاتها الوجودية والنفسية والاجتماعية والفكرية، نلحظ مدى أهمية وضرورة أن يتحلَّى "الحاكم" بالحكمة والمحبة والدراية، وذلك للخروج من الأزمة بأقل الخسائر الممكنة. إنما الذي يحدث دائمًا أن المسائل تبقى دون حلول ومعالجة. ويبقى الأهم هو الحفاظ "العنيف" على كرسي الحكم، وذلك انطلاقًا من خلفيات تاريخية نعمِّمها ونضخُّها على أرض الواقع لتبرير "دكتاتوريتنا" القبيحة.

مما يعني أن العلاج مازال في حاجة إلى علاج، وأن المسألة يجب – بل من الضروري – أن يُعاد النظر فيها كـ"حالة ثقافية عميقة مَرَضية"، والعمل على مناقشتها بهدوء للتوصل إلى قواسم مشتركة يمكن البناء عليها في سبيل عالم عربي أكثر صحة وعافية.

ويبقى أن نقول إنه بين الجدار الإسرائيلي السخيف والصوم الفلسطيني النبيل، ثمة مساحة كبيرة من الحقائق ستظهر عالميًّا، ستكون بالتأكيد مسانِدة ومؤيدة لقضية فلسطينية لم تشهد، طوال أكثر من خمسين سنة، سوى المزيد من الخسائر والدم والتشريد والموت.

لا شكَّ أن الصيام هو الحل الأنجع الآن، ليس لفلسطين وحسب، بل للعالم العربي كلِّه – عسانا أن نهدم جدار التخلف والقمع والخوف والاستسلام.

*** *** ***


* شاعر وصحفي لبناني، له: في الشعر: كناس الكلام؛ في الرواية: جنون الحكاية؛ ودراسة: الشعر والدين: فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي. بريده الإلكتروني: Kamelsaleh@hotmail.com.

[1] إدوارد سعيد، الآلهة التي تفشل دائمًا، بترجمة حسام الدين خضور، التكوين ودار الكتاب العربي، بيروت 2003؛ ص 9.

[2] المرجع نفسه، ص 9 و10.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود