الصفحة السابقة

"على خطى غاندي" بمناسبة مرور ستين عامًا على استشهاده
خــاتمــة ودعـــوة

 

أديـب الخـوري

 

قال قائد قوات الاحتلال لعمدة القرية الجبلية: "نعلم أنكم تخبئون خائنًا. فإذا لم تسلمه إلينا سوف نتحرش بك وبقومك بكلِّ ما أوتينا من وسائل."

كانت القرية تخفي بالفعل رجلاً بدا صالحًا وبريئًا وكان محبوبًا من الجميع. ولكن ماذا كان بوسع العمدة أن يعمل الآن وسلامة القرية في خطر؟ لم تؤدِّ أيامٌ من المناقشات في مجلس القرية إلى نتيجة. لذا أخذ العمدة أخيرًا الأمر على عاتقه مع الكاهن، فقضى الاثنان ليلةً كاملةً يفتشان في الكتب المقدسة، حتى توصلا أخيرًا إلى النص الذي يقول: "خيرٌ لكم أن يموت رجلٌ واحد عن الشعب ولا تهلك الأمَّة بأسرها."

وهكذا سلَّم العمدة الرجل البريء الذي تردَّد صدى صراخه عبر القرية وهو يُعذَّب ويُعدَم.

بعد عشرين عامًا، جاء القرية نبي وذهب مباشرةً إلى العمدة وقال: "ويحك، ماذا فعلت؟ كان ذلك الرجل مُرسَلاً من الله ليكون مخلِّص هذه البلاد، وأنت أسلمته للتعذيب والقتل."

دافع العمدة عن نفسه قائلاً: "ولكن فيمَ أخطأت؟ لقد نظرت والكاهن في الكتب المقدسة، وفعلنا ما تأمر به."

أجابه النبي: "هذا ما أخطأتَ فيه. لقد نظرتَ في الكتب، وكان عليك بالحري أن تنظر في عينيه."[1]

* * *

ما تزال بعض الحركات اللاعنفية مستمرةً في فلسطين، وهي تحقِّق بعض النجاحات المتفرقة، منها ما حدث مؤخرًا من نجاح متظاهري قرية بلعين في تغيير مسار جدار الفصل السياسي/الاقتصادي/العنصري/اللاأمني قرب قريتهم.

لكن هذا لا يعني أن الجدار لن يُستكمَل بناؤه؛ كما أن هذه النجاحات، على أهميتها الرمزية، لا تعني أن المسائل الكبرى والجوهرية العالقة قد حُلَّت: فالمستوطنات ما تزال في توسع، والقدس العربية مافتئت إلى زوال، وخطط تصفية حق العودة ما تزال تُمرَّر من تحت الطاولات، ومئات الآلاف ما يزال يتهددهم الجوع بسبب الحصار.

هل يعني هذا، في النتيجة، أن الحركة اللاعنفية التي ازدهرت في فلسطين فترة ما لم تثمر وأن جهود مبارك عوض وغيره لم تكن كافية هناك؟

* * *

انسحبت أمريكا من ڤيتنام مهزومة، كما يعلم الجميع؛ لكنها تمارس اليوم عنفًا لا يقل شراسة عن عنفها في ڤيتنام، إن لم يفقْه، في العراق وأفغانستان، وفي أماكن أخرى أيضًا. والأبشع هذه المرة هو استخدام "شركات أمنية" لا محلَّ عندها للعقيدة (حتى الشريرة منها!)، بل المحل للقتل بالأجرة وممارسة العنف لقاء المال!

يبدو، إذن، أن "أولي الأمر" في البلد "الأعظم" لم يتعلَّموا شيئًا من درس ڤيتنام، ويبدو أنهم غير مهتمين بالتعلم أصلاً! فالذين يموتون في أركان العالم الأربعة ليسوا أولادهم، بينما تستمر خزائنُهم وأهراؤهم بالامتلاء!

هل يعني هذا أن جهود جوان بيز، وكل مَن ناضل معها، وكل مَن يجاهد اليوم، وكل الملايين التي تظاهرت في عشرات مدن العالم في يوم واحد عشية الحرب على العراق، قد ذهبت عبثًا وأدراج الرياح؟!

... وأسئلة مشابهة يمكن لنا أن نطرحها بعد أن نقرأ المقابلات الهامة الأخرى في هذا الكتاب الذي يضيء جانبًا، لا يجري الحديث عنه كثيرًا، مما يحدث في العالم.

الهند نفسها قُسمت بعد غاندي. وهي اليوم، في شطريها، دولتان نوويتان متعاديتان، تحملان خطر اندلاع حرب نووية يمكن أن يكون ضحيتها العالم كله! هذا عدا عن العنف الذي يشهده كلٌّ من البلدين على حدة: وأنا أكتب اليوم ما أكتب يعيش پاكستان أعمال عنف لم يسبق لها مثيل منذ تأسيسه ربما.

* * *

لا أدعو إلى التشاؤم، بطبيعة الحال، ولا أعلن فشل اللاعنف بالتأكيد، لكنني أحاول مقاربة الأمر من منظور آخر.

لقد نجح غاندي، على ما أظن، في تجسيد فكر وروحانية كانا موجودين على الدوام في معظم، إن لم نقل في جميع التقاليد الكبرى العريقة، وأعاد التذكير بهذا الفكر وتلك الروحانية. لقد عاش غاندي، ومعه أمَّة في معظم أفرادها، على صعيد جمعي، ما دعا إليه كبارُ معلِّمي الروح والأخلاق على المستوى الفردي على مرِّ الزمن. فعلى نحو ما عبَّرَ لويس ماسينيون، المتأثر جدًّا بغاندي، "استطاع غاندي أن يضع موضع الاستخدام الفعلي العتلة التي تسمح بردِّ ثقل المسؤولية الجمعية إلى الإخلاص الشخصي لكلِّ فرد."[2]

لقد ألقى عملُ غاندي ظلالَه على جميع أنحاء الأرض، وقام من بعده تلامذةٌ سلكوا اللاعنف طريقًا لمكافحة الظلم وتحقيق العدل. ومن هؤلاء: مبارك عوض وجوان بيز والدالاي لاما وسيزار تشافيز وغيرهم، ممَّن وردت أسماؤهم في هذا الكتاب أو لم تَرِد. وسواء سلك هذا أو ذاك من المجاهدين اللاعنفيين طريق غاندي مباشرةً أو أعاد اكتشاف ما في تقليده الخاص من دعوة إلى اللاعنف، فإن لغاندي فضلاً في ذلك لا أعتقد أنه يمكن لعاقلَين أن يختلفا فيه.

ما من فشل مطلق أو نجاح مطلق. وإذا كان مهمًّا مقدارُ نجاح الكفاح اللاعنفي أو فشله في سبيل قضية ما هنا أو هناك، فإن الأهم برأيي هو أن فكرة اللاعنف وروحانيته ومنهجيته ومسلكيَّته باتت أمرًا ينتشر في العالم كلِّه. فتضاؤل تعنيف تلامذة المدارس، على سبيل المثال، هو، بطريقة ما، انتصارٌ لغاندي!

إن تراجُع اللاعنف في الهند، مجسَّدًا في التوتر بين الهند وپاكستان أو في الصدامات الدامية في داخل كلٍّ من البلدين على حدة؛ إن استمرار المظالم في فلسطين؛ إن عودة الولايات المتحدة إلى احتلال بلدان أخرى ونهب ثرواتها بالحديد والنار والدم – وهو ما يمكن اعتباره إخفاقًا لحركات لاعنفية عديدة قامت في أمريكا ضد الحروب، ومنها حركة جوان بيز ورفاقها؛ إلخ – هذا كله، وغيره أيضًا، يرتبط على ما أظن بعضه ببعض: فالعنف واحد، يظهر مرةً هنا ومرةً هناك؛ واللاعنف واحد، نسلكه سبيلاً للمقاومة، أو وسيلة لإحقاق الحق، أو طلبًا للعدالة، أو لمجرَّد أن نسلكه، هنا وهناك.

* * *

أنا ممَّن يؤمنون في شدة بصراع الأرواح، وذلك بصرف النظر عن إيماني بوجود الأرواح!

أعتقد أن كلَّ نزاع يجري بين قويٍّ وضعيف، بين ظالم ومظلوم، بين متخم وجائع، بين مستعمِر ومستعمَر، بين غنيٍّ وفقير... لهو تجسيد لصراع يجري أصلاً على مستوى آخر؛ وهذا الصراع إنما ساحته كل نفس بشرية.

وأنا أومن جدًّا بعبارة القديس بولس: "لسنا نجاهد ضد أعداء من لحم ودم، بل أصحاب الرئاسة والسلطان وولاة هذا العالم، عالم الظلمات: نكافح الأرواح الخبيثة في الجو"[3] – وأقول مرةً أخرى: بصرف النظر عن وجود هذه الأرواح أو عدمه! ولذلك أعتقد أن نجاح اللاعنف في المستقبل مرهونٌ بأمرين:

-       الأول، أن يكون نضالاً على مستوى الكوكب؛

-       والثاني، أن يكون نضالاً على مستوى النفس.

ويبدو لي أن هذين الشكلين للنضال اللاعنفي يرتبط كل منهما بالآخر أشد الارتباط، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وقد ظهرا تمامًا في حياة غاندي وأثره: فنجاح غاندي الاستثنائي في زمنه – النجاح الذي يربطه الكثيرون بالظروف التاريخية الكوكبية التي ساعدتْه، أو بنزاهة القضاء البريطاني الذي استفاد منه، أو بغير ذلك من الأمور – إنما يرتبط في تقديري، أولاً، بجذرية غاندي في جهاده نفسَه – وأعني في اختيار نمط حياته في أبسط الأمور أولاً: في الفقر والعفة الاختياريين، في اختيار حياة الشعب البسيط، في التزامه التنقل في قطارات الدرجة الثالثة، في ملبسه ومأكله ومشربه، إلخ. ولا يخفى أن هذا يتطلب جهادًا للنفس لا يقل ضراوةً عن مقارعة جيش الاحتلال البريطاني في "مسيرة الملح"! – هذا من جهة أولى.

أما من جهة أخرى، فإن جهاد غاندي لم يقف عند بلده، بل لقد كتب عن القضية الفلسطينية، على سبيل المثال، وطالب بالعدالة للشعب الفلسطيني وبحقِّ لاجئيه في العودة، رافضًا مقولة "أرض بلا شعب". ولعل أهم مظهر رمزيٍّ لنضاله اللاعنفي الكوكبي هو مطالبته بأن يكون هناك "شيء من الروحانية في منظمة الأمم المتحدة".

* * *

نعيش في زمن يبدو فيه كوكبُنا مهددًا بالموت، وتبدو فيه البشرية على مفترق طريقين.

إن ما تختزنه "أكثر الدول ديموقراطية" من سلاح نووي ما يزال خطرًا جاثمًا؛ والتسارع الذي لا يتوقف في إنضاب الموارد الأساسية للأرض، سواء ما يتعلق باستهلاك الطاقة أو بقطع أشجار الغابات أو غير ذلك، لأمور تضع الأجيال القادمة أمام صعوبات حقيقية؛ والاحتباس الحراري الناتج، في جزئه الأعظم، عن النشاطات البشرية غير المسبوقة في الحجم والمتزايدة، دون قدرة على كبح جماحها، لم يعد أمرًا مقلقًا فحسب، بل لقد بدأت نتائجُه تظهر للعيان في ذوبان جليد القطبين وفي تكاثُر الفيضانات والأعاصير – هذا على الأقل بحسب تقرير الأمم المتحدة الأخير الشهير الذي أعدَّته لجنةٌ من آلاف العلماء ونالت عليه جائزة نوبل للسلام. أما المخاطر الاجتماعية والأخلاقية للهندسة الوراثية والاستنساخ ودمج العلوم الإلكترونية الدقيقة في العلوم البيولوجية الأكثر دقة وتطبيقها في صناعات الروبوت، صانعةً كائناتٍ غريبةً عجيبة، فهي أمورٌ تتفاقم بما لا يكفي من الحسبان لنتائجها الممكنة!

قد لا يكون مجرد استعمال إنسان السلاح ضد إنسان آخر هو العنف حصرًا: فلعل الاستمرار في تبديد الموارد هو ضرب من ضروب العنف ضد أمِّنا الأرض؛ لعلنا في كلِّ مرة نسرف في هدر الوقود أو الماء أو الطعام نسيء إلى غيرنا من البشر، إذ نظلم بعض إخوتنا في مكان ما على الأرض. ولعل أمام كلِّ إنسان اليوم، أيًّا كان بلدُه أو دينُه أو عرقُه أو لونُه أو جنسُه إلخ، أن يكون جنديًّا في جيش إنقاذ الأرض. وهو جيش موجود منذ أن وُجِدَ الإنسان، وإنْ كان لا يعرف أنه موجود؛ وهو جيش أهم ما فيه أنه غير منظَّم، بل أهم ما فيه أن لا عقيدة له غير الحب!

قد لا يتطلب أن يكون المرءُ جنديًّا في هذا الجيش الكثيرَ من الأشياء – إنه يتطلب منه شيئًا واحدًا وحسب: أن يخوضَ المعركة الفاصلة مع نفسه؛ وهو أمرٌ يقتضي بعض التضحيات الصغيرة: كأنْ أتنازل عن تناول وجبة أحبها مثلاً (وهناك وجبةٌ أحبها أكثر من غيرها، على ما أظن، مهما كنت فقيرًا!)؛ أو أن أستخدم وسيلة نقل جماعي حين أستطيع أن أستخدم وسيلة نقلٍ فردي، كمثال آخر؛ أو أن أختار الذهاب إلى بلد أفريقي لقضاء إجازتي بدلاً من الذهاب إلى بلد أوروبي، فأصرف بعض مالي، إنْ كنت من أهل اليسر، بين مَن يحتاج، لا بين مَن لا يحتاج... وهذه الأشياء سرعان ما تصبح حلوةً ولذيذة، على الرغم من أن الكثيرين لن يصدقوا ذلك! وهذه الأشياء الصغيرة، التي أسميها نضالاً في النفس، وفي الوقت نفسه، نضالاً على مستوى الكوكب، هي هي ما يُسمَّى فداء!

قد لا يحتاج اتخاذُ قرار انخراطي في هذا النضال، غير الموجَّه ضد أحد، إلا أمرًا بسيطًا: أن أجد (على الإنترنت مثلاً) صورةً لطفل أفريقي جائع، أو لأمٍّ فلسطينية ثكلى، أو للاجئ عراقي فقير (في واحد من أغنى بلدان العالم بثرواته الطبيعية!)، وأن أنظرَ في عينَي هذا أو تلك!

المترجم، 19 تشرين الأول 2007

*** *** ***


 

horizontal rule

[1] عن كتاب أنتوني دو ملُّو أغنية الطائر، بترجمة أديب الخوري، دار مكتبة إيزيس، دمشق، 2000.

[2] لويس ماسينيون، إشكالية الأرض المقدسة، بترجمة پاولو دالوليو وأديب الخوري، الأولى للنشر، دمشق، 2005.

[3] رسالة القديس بولس إلى أهل إفسس 6: 12.

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود