اللُّمى

 

معن عبد السلام

 

يوم كانت الأرض ما تزال فتية، لم تعبث بها مخالب ولم يمزِّقها محراث، كانت الأمُّ تسير في عروقها وممرَّاتها، تتعرَّف إلى أسرارها وطُرُق إخصابها، حين جاءها المخاض سريعًا ومباشرًا يضرب أسفل البطن!

في كثافة الزنابق البرية اختبأتْ، فاشتدَّ الأريجُ مع اشتداد ضربات الألم. أزهرتِ الأمُّ عن طفلة ناعمة بحجم بَتَلَةِ الزنبق، تلقَّفتْها أيادي الأرض السمراء الحنون، مما جعلها تصطبغ باللون الأسمر. والزنابق مِلْنَ عليها يمسِّدْنَ جسمَها البضَّ الطريَّ، فصارت زكية الرائحة، مفرحة، كرائحة الزنبق.

*

في البعيد، عند كوخ خشبي تقطنه الأمُّ مع زوجها، كانت بذرة التفاح المغروسة في الطين والحرارة تتفتَّق عن برعمٍ أخضرَ صغيرٍ يقاوم العتمة، ويزيح الطَّمْيَ اللزج، رافعًا رأسه إلى حرية النور والتنفس.

دعوها "زنبقة"، ونادوها "ابنة الأرض"... لكن أمَّها سمَّتْها "اللُّمى"، وسمَّتْ البرعم الصغير "تفاحة".

نبتتا معًا في الظلمة والنور، وفي صمتٍ تابعتا سنين عدة من الصداقة والمحبة.

-       أختي الحبيبة، لِمَ لا تتكلَّمين، لا تسيرين معي وتلعبين؟

كثيرًا ما سألت اللُّمى أختَها التوأم تفاحة أن تحادثها وتلعب معها، ولكنها لم تلقَ جوابًا، ولا حتى مرة واحدة.

*

وتمرُّ الأيام والسنون، فتنضج اللُّمى، وتصبح ابنةَ الأرض الحقَّ، تلاحق الجداول، وتلاعب صغار الحيوانات، أينما حلَّت. تقتات بأشعة الشمس، ومن مياه الأرض تشرب.

وتفاحة شجيرة يافعة لم تزهر بعد. إلا أنها طالت وتفرَّعتْ حتى صارت بطول أختها التوأم.

إلا أنَّ الأيام لم تكن كلَّها هادئة ورخوة. فقد جاء شتاءٌ لم يُرَ مثلُه من قبل: رياح عاصفة، أمطار غزيرة، رعد وبرق.

خافت اللُّمى كثيرًا على أختها تفاحة! فنوافذ السماء مغلقة منذ زمن، وتفاحة لا تملك شمسًا فتصنع طعامها وتستمر في الحياة. أوراقُها سقطتْ، وجفَّتْ عروقُها. كالعصا الفارغة من الروح صارت.

-       إني أملك ثيابًا ونارًا... ولكن تفاحة لم تعدْ تملك ورقًا يغطي جسمها، ولا شمسًا تُدفِئُها وتُنضِجُ طعامَها... ساعديها، أرجوكِ، أمي!

حائرةٌ، لا تعرف ما تفعل، الأمُّ أمامَ أسئلة ابنتها الصعبة!

يشتد حزن اللُّمى ويصيبها الأرق والغمُّ.

-       أيتها السحب، أيتها الغيوم، افتحي نافذة، من فضلك... نافذة صغيرة لتطلَّ الشمسُ منها، وتسقي بعض الضوء والدفء أختيَ تفاحة!

لم تفهم الغيوم لغة اللُّمى، إلا أنها شعرت بحزنها حين رأت دموعها الغزيرة.

-       لو تقودين السحب، أيتها الريح، فتمدَّ الشمسُ أغصانَها إلينا!

وكصديقاتها السحب، لم تفهم الريحُ لغة اللُّمى – مع أنها كثيرًا ما نقلتْ أصواتًا ولغاتٍ شتَّى، إلا أنها لم تتوقف يومًا لتفكَّ رموزها وتستوضح معانيها.

فكرت اللُّمى: "لو آتيها بقرصِ شمسٍ صغيرٍ أضعُه بين أغصانها، تمامًا مثل شعلة النار التي نضعها في مواقدنا."

*

وهكذا راحت تبحث في الأرض الواسعة عن قرص شمس. تسأل الصخور، وتسأل السيول، ولا أحد يجيبها. ومرة سألت الأشجار الباسقة عن قوَّتها وسبب بقائها، فلم تجد إجابة واحدة.

وبينما كانت سائرة، منهكةً كئيبةً، وصلت إلى حقل الزنبق الذي ولدت فيه، ومن شدة تعبها استسلمت لنوم عميق، أخذها في حلمٍ إلى صحراءَ جدباءَ، تضربها الشمسُ بسياطها النارية.

كانت واقفة أمام تفاحة، والعطشُ يذيب حلقَها، وتفاحة غصنٌ جافٌ لا حياة فيه، صامتة، كعادتها، لا تتأوَّه ولا تشتكي. انتبهت اللُّمى إلى وعاءٍ في يدها، كادت أن تشرب منه، إلا أنها فضَّلتْ أن تسقي أختها التوأم أولاً، فصبَّتْ منه فوق أغصانها الجافة، ويا لشدة دهشتها! لم يكن ماءً، بل حليبٌ أبيضُ كحليب الأم! بدأت تفاحة تنتش وتورق – يا للفرحة! – ثم أخذت تزهر أزهارًا وردية، تتحول كلُّ زهرة منها إلى حمامةٍ بيضاءَ صافية، تفرد جناحيها الرقيقين وترفرفُ عاليًا. وهكذا دواليك، حتى امتلأتِ السماءُ بالطيور البيضاء المبهجة، وما لبثتِ الصحراءُ الجافة أن تحوَّلتْ إلى حقل لا عين رأتْه من الزنبق الأبيض البرِّي.

*

استفاقت اللُّمى على ريشة ذهبية تداعب جفنيها. كانت السحب قد ابتعدت قليلاً، تاركةً طريقًا لصديقتها الشمس. طارت اللُّمى راكضةً إلى أختها تفاحة، لتجدها ما تزالُ هناك، مستكينة هادئة، وكأن شيئًا لم يُصِبْها. جلستْ بقربها، وبدأت تكلِّمها بلغة علَّمتْها إيَّاها أمُّها الأرض يوم ولدت، وذكَّرتْها بها الزنابق ساعة كانت نائمة بينها.

مرَّتِ الأمُّ بالقرب من تفاحة، فوجدت اللُّمى غارقةً في صمتٍ عميق تتأمل الشجيرة، وعن فمها تفترُّ ابتسامةٌ سحرية.

-       ابنتي الحبيبة!

قالت الأم في قلبها، ومشت متواريةً خلف باب الكوخ.

لم تسمع تفاحة، والريح، والسحب، والشمس، ما قالت الأمُّ، ولكنها سمعت اللُّمى تقول:

-       أحبائي!

*** *** ***

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

Editorial

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 ٍإضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال يوسف وديمة عبّود