نحو عالم أكثر تحضرًا

 

د. قيصر زحكا

 

النماذج الأصلية أو الأنماط البدئية Archetypes هي فكرة مستعملة في علم السلوك ونظريات علم النفس الحديثة، فهي قد تعني سلوكًا معينًا أو نمطًا تُبنى عليه أنماط أخرى من السلوك والتصرفات، وقد تعني رمزًا معينًا ورد كثيرًا في الأدب والأساطير والرسوم، أما هنا فأعني بها الفكرة الأفلاطونية بوجود مفاهيم معينة نقية من العوالم الأعلى والتي تتظاهر بأشكال معينة على المستوى المادي والفكري والعاطفي، أو الفكرة اليونغية (نسبة لكارل يونغ) بوجود فكرة أو نمط أو صورة في اللاوعي الجمعي، موجودة بشكل كوني، وتعطي تظاهرات مختلفة متكررة في عالمنا المادي.

الثنائية مثلاً نموذج أصلي، النور نموذج أصلي، الجمال نموذج أصلي، الحركة نموذج أصلي... لماذا؟ لأنه حتى على مستوى الأفكار يوجد حركة، حتى على مستوى الزمن، يوجد حركة، حتى على مستوى العواطف يوجد حركة، والحركة يقابلها سكون وهذه ثنائية. عواطفنا وأفكارنا أحيانًا تكون قاتمة وحزينة وأحيانًا نيرة وفرحة وهذه ثنائية. الحياة والموت ثنائية ولكن الأسمى منهما هو الواحد الأحد الذي لا يعرف الثنائية، ولكن سنرى لاحقًا كيف أتت هذه الثنائية. الأرقام مثلاً نموذج ومفهوم أصلي، فالأرقام لم تأتِ إلى المستوى المادي بشكل عشوائي، بل عبرت عن مفاهيم أعلى في العوالم الأعلى، وبرزت الأشكال الهندسية كتعبير عن الأرقام والمفاهيم الأخرى في العوالم الأدنى.

    

مفهوم اليانغ والين في الأدب والطب والفلسفة الصينية (الصورتان أعلاه) هو التعبير الأوضح عن هذه الثنائية، فكل ما هو ساكن هادئ بارد قاتم هو ين، وكل ما هو حركي انفعالي حارٌّ مليء بالنور هو يانغ، والحياة والموت هو تفاعل أبدي بين اليانغ والين اللذان يتداخلان باستمرار ولا يتواجد الواحد دون الآخر، ويوجد دائمًا توازن بينهما، فكلما ازداد أحدهما عن حد معين، بدأ يظهر الآخر، كما أن في داخل كل واحد منهما إمكانية التحول للآخر، كما توضحه الدائرة الصغيرة في كل منهما. على المستوى الفيزيائي نرى اليانغ والين في الذكر والأنثى، الشهيق والزفير، الحرِّ والبرد، الصيف والشتاء، النهار والليل، اليقظة والنوم... الخ.

على المستوى العقلي، نرى اليانغ والين في الرغبة في معرفة العالم الواسع حولنا، والامتداد للخارج، السفر والتجوال واكتشاف الدنيا، معرفة الأجرام والكواكب والفضاء، وفي الوقت نفسه العودة إلى الداخل والنوم والاستراحة والتأمل والصلاة ومعرفة تفاصيل الذرة والنواة والخلايا. على المستوى العاطفي، الرغبة بالتلاقي ومشاهدة الآخرين والكلام والضحك والتواصل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه الرغبة بالوحدة والهدوء والعودة للمنزل والنوم. على المستوى الروحي، نجدها في الرغبة بالامتداد والتوسع والانطلاق، والرغبة بتجميع الشتات والتركيز والتقليص.

النموذج الأصلي للحركة، نجده روحيًا بالرغبة في الانتشار والانطلاق، وعقليًا بانتقال أفكارنا إلى الماضي والمستقبل والفضاء والعوالم الأخرى، وعاطفيًا بالحركة المستمرة لعواطفنا بين فرح وبهجة وسعادة وخوف وحزن وشعور بالقبض وشعور بالتوسع، وعلى المستوى الفيزيائي الجسدي، بالشهيق والزفير، حركة القلب والتنفس والدم، الرياضة والرقص، حركة الدولاب والسيارة والطائرة والصاروخ... الخ.

النموذج الأصلي للمحبة نجده روحيًا بمحبة الله والكون والطبيعة، وعقليًا عاطفيًا بمحبة الآخرين والحيوانات والنباتات والطبيعة والألوان والموسيقا والسفر، وجسديًا فيزيائيًا بمحبة الأشكال والألوان والجنس والطعام... الخ.

كل هذا يعبر أن هناك نماذج أصلية ومبادئ أساسية أتت من عوالم أعلى وعبرت عن نفسها في العوالم الأدنى بتعبيرات متعددة جدًا وأشكال مختلفة، لكن من خلال الصلاة والتأمل والأحلام والطرق الروحية المختلفة نستطيع لمس هذه النماذج الأصلية وإدراكها.

يوصف الين إذًا على أنه بارد، هادئ، سلبي، معتم، متجاوب، متناقص ونحو الداخل، أما اليانغ فحارٌّ، متحرك، فعال، براق، محرِّض، متزايد ونحو الخارج. يجب ألا ننسى أن هذه الثنائية تعود للانقسام من جديد إلى ثنائية أي إلى جزء أكثر ذكورة وجزء أكثر أنوثة ويبقى التداخل والتحول بينهما دائمًا موجود، وهذا ما يعطي التنوع الهائل والرائع في الطبيعة، فجذر النبات هو أكثر أقسام النبات قساوة ودعامة وثباتًا فهو أكثرها ذكورة أو يانغ، لكن في الوقت نفسه، هو معتم ونحو الداخل فهو ين. كلما ارتفعنا في الساق ثم الأغصان ثم التفرعات الأدق ثم الأوراق والأزهار والثمار وأخيرًا البذور، نكون بشكل نسبي نقترب أكثر من طبيعة الين المؤنثة ونبتعد عن طبيعة اليانغ المذكرة، لأن البذور تختزن كل العناصر الأساسية لإنشاء النبات من جديد، فهي تدخل في مرحلة كمون لتعطي بعدها نباتًا يفوقها بأضعاف من حيث الحجم، وعندها تدخل في مرحلة التوسع أو اليانغ، لكن في الوقت نفسه البذرة سهلة التدحرج والحركة والنمو نحو الخارج، فلها صفات اليانغ. كل شيء في الطبيعة يجمع بين اليانغ والين بنسب مختلفة. قطعة الطبشور مثلاً، عادة جافة وقاسية فهي يانغ، لكنها باردة فهي ين، لها سطح خارجي هو اليانغ وداخلي هو الين، تتناقص حجمًا مع الوقت والاستعمال فهي ين. الشمس أكبر وأكثر سخونة ونورًا من الأرض فهي يانغ بالنسبة للأرض والأرض ين بالنسبة للشمس، ولكن الأرض يانغ بالنسبة للقمر. عندما تنتهي التفاعلات الكيماوية للشمس، ستتحول إلى ين. عندما تسطع الشمس على جهة من الجبل، يكون يانغ بالنسبة للجانب الآخر، ولكن بعد الظهر، سيأتي نور الشمس على الجهة الأخرى وتصبح تلك هي اليانغ بعد أن كانت صباحًا الين. عندما يأتي الليل، يصبح كل الجبل معتمًا ومظلمًا وباردًا وهادئًا فيصبح ين بالنسبة للقمر الذي أصبح هاهنا يانغ ضمن ظلام الليل الذي أصبح ين.

الثنائية مبدأ الأرض:

علينا أن ندرك أن الثنائية ليست مجرد مبدأ فلسفي سفسطائي نتكلم عنه، بل هي عمليًا أهم مبدأ في واقعنا الأرضي. طالما نحن موجودون على الأرض، تشكل الثنائية أقوى وأهم المبادئ وفي الوقت نفسه العقبات التي تواجهنا. الله عز جلاله واحد وعلينا إدراك هذا من خلال تجاوز الثنائية الظاهرية التي نراها في كل ما حولنا. تكمن المشكلة في أن مبدأ الثنائية مبدأ أساسي ونمط أساسي أو بدئي Archetype، تكون في المستويات الروحية الأعلى قبل ظهوره حتى، على المستوى الأرضي. نرى الثنائية في الحر والبرد، في قطبي المغناطيس والكهرباء، في النور والظلام، في الصحيح والخاطئ، في الأعلى والأسفل، في الأيمن والأيسر... الخ، والأهم من ذلك كله، أن معظم الناس يلجؤون للتعبير عن الوحدة وإيمانهم بالله الواحد من خلال أحد قطبي الثنائية ومحاربتهم للقطب الآخر، بدلاً من اللجوء إلى فهم القطبين وإدراكهما وتجاوزهما، ويفعلون تمامًا كما لو كانوا يقولون: "أنا أريد فقط القطب الإيجابي من الكهرباء والمغناطيس ولا أريد القطب السلبي، أو أريد الحرَّ ولا أريد البرد، أو أريد النهار ولا أريد الليل". هل يمكننا أن نعيش في قطب دون الآخر على المستوى الأرضي؟ طبعًا لا، ومع هذا يصرُّون على أنهم يتبعون المبدأ الصحيح ويحاربون الخطأ، وهذا يظهر مدى قصر البصر ونقص البصيرة. إذا كنا نؤمن بالله الواحد، فعلينا أن نعي ونستوعب التظاهرات المختلفة التي أصلاً خلقها الله تعالى، ونتجاوزها لإدراك الله الأوحد.

لقد أراد أبو البشرية آدم، عليه السلام، أن يأكل ثمار شجرة الألوهة مباشرة ويكون كالله عز جلاله دون أن يقوم بالأعباء الأرضية المنوطة به، ودون أن يقوم بإدراك ما حوله من ثنائية وتناقضات، أو ما يسمى بالتزاوجات بين الأضداد، بمعنى اختبار الحياة الأرضية بثنائياتها من غنى وفقر، صحة ومرض، شباب وشيخوخة، ليل ونهار، سرور وألم... الخ. لا يحدث التنور على المستوى الأرضي ما لم نختبر تناقضات الثنائية بكل أبعادها، وهذا ما قام به النبي موسى والنبي عيسى والرسول الكريم والسيدهارتا بوذا وغيرهم. لقد اختبروا آلام الأرض بكل عمق، وعاشوا التناقضات الموجودة فيها بكامل وعيهم.

تواجدت فكرة الثنائية في كل حضارات العالم، وهناك دلائل قوية على أن اليانغ والين أتت من فكرة سابقة هندية، وهي الـ Purusha أو Linga الطبيعة الذكرية الكونية والـ Prakriti أو Yoni الطبيعة الأمومية الأرضية المسؤولة عن كل شيء عدا البوروشا، وهذا ما عبِّر عنه بالمثلثين متعاكسي الاتجاه على شكل النجمة السداسية اللتي تبناه لاحقًا اليهود.

ألا نرى الثنائية في أوزيريس وايزيس في الحضارة المصرية الفرعونية، ألا نراها في تموز وعشتار، أو أدونيس وعشتاروت في الهلال الخصيب. لقد تبنى الهنود الحمر وبقوة ما يسمى كويوتي أو قيّوط السماء وكويوتي أو قيّوط الشمس. الكويوتي هو حيوان خرافي يشبه الذئب، يأتي من عالم الطبيعة الروحية، ويعتبر معلم الحكمة الخفيَّة بروحه المزاحية بنفس الوقت. هو من يكشف الحقيقة خلف الأوهام والفوضى، مثلما يفعل الجعل أو الخنفساء في الحضارة الفرعونية.

رمز الـ caduceus

هل هناك من مثال أقوى من برج الميزان والذي كان البرج الأول يومًا ما، أو رمز الـ caduceus عند أبقراط والإغريق (الصورة أعلاه) بوجود ثعبانين يمثلان قوتي الأوريك والأوبيك، الشمس والأم الأرض. إن ثاني ورقة من أوراق التبصير Tarot، هي ورقة الأم الروحية، وأمامها عمودان، وفوقها هلال بشكل ميزان (الصورة أدناه)، كلها رموز تشير إلى الثنائية والتوازن.

وإن أحد الأمثلة الصارخة نجدها في الكابالا، فهناك أربعة مبادئ أساسية في المركز، وستة مبادئ على الجانبين، ثلاثة في كل جهة (الصور أدناه)، إحدى الجهتين هي عمود الشدة والجهة الأخرى عمود الرحمة، وهنا نرى الثنائية أيضًا. على كل عمود ثلاثة مبادئ كما ذكرت. الأخفض منها هو على المستوى الجسدي، النصر ويقابله المجد، الأوسط على المستوى النفسي، الرحمة ويقابلها العدالة، الأعلى على المستوى الروحي الذكاء ويقابله الحكمة. على الإنسان أن يقوم بالأعباء المنوطة به، وأن يزاوج كل مبدئين من أجل الانتقال للمستوى الأعلى، فعلى المستوى الجسدي وعنصر التراب، عليه أن يجمع ويزاوج القسوة مع الرقة، المجد مع التواضع، النشاط والحركة مع الراحة... الخ، من أجل أن ينتقل من المستوى الجسدي الحيواني للنفسي عبر بوابة الإنسان من خلال التطهر والولادة أو الاعتماد بالماء، ثم يزاوج الصفات النفسية المتقابلة من قساوة ورحمة من أجل الانتقال للمستوى الروحي عبر بوابة الآلهة والولادة أو التطهر بالنار (وهذه هي ليلة النفس الحالكة كما سنرى)، وبعد ذلك يزاوج العقل مع الحكمة وتحدث الولادة بالهواء، ليصل أخيرًا إلى المبدأ العاشر ويحدث التطهُّر بالأثير أو العنصر الخامس من أجل التنوُّر المطلوب.

         

إن أي من هذه الحضارات لم ينظر للثنائية على أساس إيجابي أو سلبي، لكن لاحقًا وبسبب العقل الراجح للإنسان ولمصلحته الشخصية، بدأ يفضل المجتمع الحضاري على البدائي واتخذها العرق الأبيض ذريعة لاحتلال والإساءة للعرق الأسود والأصفر، حتى اليابانيون أنفسهم اعتبروا أنفسهم أرقى من شعوب آسيا الأخرى واعتبروها ذريعة لاحتلالهم، وهذا ما فعلته ألمانيا النازية ومعظم قادة حروب العالم.

إن نظرنا مليًّا، نجد أن المتطرفين من ممارسي الديانات التوحيدية الثلاثة هم أكثر من نظر للعالم ولغيرهم بفكر ثنائي غير توحيدي، أي جيد وسيء، مؤمن وكافر... الخ.

ليلة النفس الحالكة The Dark Night of the soul:

طالما تواجد يانغ وين، وطالما تواجدت الثنائية، سيكون هناك ما يسمى الجانب الآخر أو ليلة النفس الحالكة (وهي أيضًا مبدأ أساسي أو نمط بدئي Archetype). لا يستطيع الإنسان العيش فقط في اليانغ أو الين، وينكر الآخر. هناك يانغ وين على كل المستويات الروحية والنفسية العقلية والعاطفية والجسدية. سنرى لاحقًا أن اجتماع مجموعة صفات أو طاقات نستعملها عادة في حياتنا وسلوكنا واتخاذ قراراتنا هي ما نسميه الذوات الأساسية، وهناك صفات وطاقات أخرى نحاول إبعادها والإغلاق عليها وتجنبها هي الصفات غير المرغوب بها. بطريقة ما، نحاول إظهار صفات معينة والعيش ضمن جانب واحد من القطبية مثلاً اليانغ، وتجنب إظهار الجوانب الأخرى أو الين. إن أية محاولة للتطور والوعي والتنوُّر ستظهر هذه الصفات الأخرى للوجود فهي طاقات محبوسة ضمننا، وهذا ما يجعل الشخص يمر بمراحل مختلفة كثيرًا عما كان يظهره سابقًا، وهذا شيء طبيعي جدًا ومرحلة ضرورية وهي ما تسبب ظاهرة ليلة النفس الحالكة.

استعمل تعبير ليلة النفس الحالكة بتعابير مختلفة على مدى العصور، وقد ذكرته الحضارات المختلفة بأسماء مختلفة. كلنا يعرف قصة طائر العنقاء Phoenix الذي يحرق نفسه ثم يخرج من الرماد في الأساطير الإغريقية والشرق أوسطية، أليس هذا دليلاً على مفهوم ليلة النفس الحالكة من قديم الزمان. عندما تكلم الهنود عن العصور النيِّرة والعصور الحالكة Kali Yuga، أليس هذا دليلاً آخر؟ لقد استعمل هذا التعبير بالذات لأول مرة في القرن السادس عشر، على يد الشاعر والفيلسوف الاسباني حنا الصليبي وأسماها La noche oscura del alma، وهو يروي رحلة الروح من موطنها الجسدي حتى التحامها مع الله عز جلاله، وقد استعمل هذا الاسم، لأن الروح تكون ضائعة لا تعرف أين هي ذاهبة، وتكون مهتدية فقط بالنور المحترق داخلها والشغف للقاء الله تعالى. بعد هذا، ذكرت كثيرًا على يد مجتهدين دينيين بالدرجة الأولى، مثل القديسة تيريز de Lisieux، والأم تيريزا من كلكوتا، والأب Benedict Groesche وEckhart Tolle. اعتمدها بعض الكتاب والمغنون مثل Depeche Mode, sparklehorse, Steve Bell, The get up kids, Loreena Mc Kennitt، وحتى الكاتب العصري ذو الروايات العديدة الأكثر بيعا Stephen King.

تعرضت الكاتبة الفذة ماريان وليامسون لهذا الموضوع كثيرًا، وأظهرت أنه كثيرًا ما يشخص للأسف الأشخاص الذين يمرون بهذه المرحلة بالاكتئاب، ويجرى لهم فحوص دم وصور متعددة، يعطون أدوية اكتئاب، وبالتالي يتم إسكات هذه الظاهرة وعدم الوصول بها للهدف المطلوب. تقول ماريان أن الحزن ووجود لحظات سوداء في حياتنا، هو جزء أساسي من الحياة يجب عدم الهروب منه، فالحياة مرة أخرى هي يانغ وين، وأن ليلة النفس الحالكة هي مرحلة طبيعية من أجل التعبير عن قدرات الشخص غير المحدودة من أجل تطور الوعي والتنوُّر.

إن واحدًا من أروع أمثلة ليلة النفس الحالكة هي قصة النبي أيوب، فهو قد خسر كل شيء من زوجة وأولاد ومال وأملاك، وظل صابرًا، ليرزق بعدها بأضعاف ما كان عنده. هل هناك رمزية لهذه الليلة أروع من هذا؟

قصة أوديب وقتله لوالده (دون أن يعرف طبعًا أنه والده على عكس ما نظنُّ) (وهذا يرمز لقتل أناه ومظاهره الخارجية)، ثم زواجه من أمه (ولم يكن يعرف أنها أمه لأنه تربى عند أناس آخرين في بلد آخر) (وهذا يرمز إلى تزاوجه مع طاقاته المكبوتة أو العودة للرحم، وهذا ما يذكرنا بالطريقة التيبيتية للعلاج بإرجاع ذاكرة الشخص للمرحلة الجنينية والولادة). يعلم أوديب بعد ذلك أنه تزوج من أمه وأحضر منها أربعة أولاد – ترمز اسماؤها للعناصر الأربعة - فيقتلع عينيه ويسير تائها مع إحدى بناته، ثم ينزل إلى عالم الحضيض لينجو بعدها (وهذا كله يرمز إلى ليلة النفس الحالكة والخلاص).

قصة أوذيس الذي حقق الانتصار المطلوب في طروادة (وهذا يمثِّل عبور بوابة الإنسان حسب الكابالا) وأراد العودة لمنزله، فتاه سنوات وسنوات وتعرض لكل أنواع المخاطر في ليلته السوداء (وهذا يمثِّل عبور بوابة الآلهة حسب الكابالا) ، ليعود لحضن زوجته ويتزوج الزواج الروحي الأخير (وهذا يمثِّل الاعتماد أو التطهُّر بالأثير).

أهناك أكثر مما تعرض له جلجاميش وهو يبحث عن سر الألوهة بعد وفاة صديقه انكيدو. كانت هذه ليلته الحالكة. قصة الأميرة النائمة وقصة بياض الثلج سنوهوايت تعبِّران عن تلك الليلة السوداء من النوم القاتل قبل أن يحدث التنور واليقظة على يد الأمير. لقد نزلت عشتار إلى أعماق الأرض قبل ولادتها من جديد. تخلت عروس البحر عن ميزاتها وقبلت بالمعاناة الأرضية الإنسانية لتصبح بعدها زبدًا في الوعي الكوني.

الـ Bhagavad Gita واحد من أهم الكتب الهندية التي أظهرت الصراع الداخلي والليلة الحالكة قبل الوصول للتنوُّر.

اكتشاف ذواتنا المتعددة:

خلقنا الله بصفات متعددة جدًا، طاقات مختلفة جدًا داخلنا، وإن واحدًا من أهم الأعمال التي يجب القيام بها في حياتنا هو اكتشاف وتطوير هذه الطاقات والإمكانات، من أجل أن نختبر مجالنا بشكل كامل، وهذا ما عبرت عنه الحضارات والأديان بكاملها، وإحداها قالت: "اعرف نفسك" والأخرى قالت الجهاد الأكبر أو الأعظم، وحتى الأساطير والملاحم تدور بمعظمها حول هذا الجهاد والكفاح من ملحمة جلجامش إلى ملحمة الأوذيسة... الخ.

من الممكن اعتبار هذه الطاقات كأنماط أساسية أو بدئية Archetypes، أو شخيصيات Subpersonalities، أو ذوات داخلية ضمننا، وطالما أننا نعيش في العالم الأرضي الثنائي، فلكل طاقة داخلنا طاقة مقابلة أو ظل لها، ولكي نصل للتوازن والانسجام، علينا أن نوحِّد هذين الجانبين من القطبية. للأسف، فإن معظمنا غير معتاد على هذا التفكير، بل نفكر دائمًا أبيض أو أسود، صحيح أو خاطئ، جيد أو سيء، والمشكلة الأكبر أننا نحكم هذه الأحكام وفي الوقت نفسه نغيِّر الأساس الذي نحكم به، أي نزيد الطين بلَّة. ماذا أعني بهذا. لنأخذ مثال الإنسان الجيد والسيء. لقد تعلمنا طوال الوقت في المدارس، كما علمنا أهلنا أن الإنسان الجيد هو من يعطي أكثر مما يأخذ، والإنسان السيء هو من يأخذ أكثر مما يعطي، ولكن في الوقت نفسه يقوم أهلنا بانتقادنا بأننا خجولين وخائفين ولم ندافع عن أنفسنا ولا نأخذ ما هو لنا، ونرى الناس والمجتمع تركض وراء الإنسان الناجح الذي امتلك كل شيء وغالبًا من وراء استغلال الآخرين، وترمي الإنسان العظيم الذي أبدى مصلحة الآخرين على مصلحته وتسميه أخرقًا. أيوجد تناقض أكثر من هذا؟ أليس من الأفضل أن نقول لأطفالنا أن نكون متوازنين وأن نحب أنفسنا وغيرنا في الوقت نفسه. بالإضافة إلى هذا، فإن معظم هذه القيم متغيرة باستمرار بين مجتمع وآخر، أمة وأخرى، زمن وآخر.

عادةً نعمد إلى اختيار بعض صفاتنا ونضعها في مجموعة وتسمى هذه الذوات الأساسية ونعتمدها كأساس في حياتنا واختيار قراراتنا، مثل شخصية تحمل المسؤولية، التضحية، العمل الجاد، الأم المثالية، الأستاذ المثالي، ومجموعة من الصفات الأخرى التي تمثل الإنسان الناجح المحبوب القيِّم. المشكلة أنه لكل ذات أساسية طاقة مقابلة، نقوم بتثبيطها، دعسها، طمسها، لماذا؟ لأنه بطريقة ما أو أخرى، تعلمنا منذ كنا أطفالاً، أنها ليست بالصفات الجيدة، لذلك وضعناها في أعماقنا وأقفلنا عليها بالمفتاح، وهذه تسمى بالذوات غير المرغوب بها Disowned selves.

تحمل هذه الذوات غير المرغوب بها طاقات أساسية لنا، ونحن في حاجة ماسَّة لهذه الذوات من أجل الحصول على الصحة النفسية والجسدية والشفاء الروحي. إن واحدة من أهم الذوات غير المرغوب بها عالميًا، وخاصة بالنسبة للرجل هي الضعف، وفي الحقيقة، ما لم يختبر الإنسان الضعف والرقة، يكون محدودًا جدًا في علاقاته الحميمة والصداقات التي يواجهها. غالبًا ما نرى ذواتنا غير المرغوب بها في أحلامنا بشكل رموز طبعًا، وما الكوابيس إلا ذوات مطمورة في أعماق ذلك الشخص.

ما علينا فعله هو في البداية إدراك ذواتنا الأساسية، معرفة ما هي، وكيف تعمل، ثم تأتي المرحلة الثانية بأن نميزها ونفصلها عن كينونتنا وعدم اعتبارها نحن وهذا ما يسمى الأنا المدركة Aware Ego، وتأتي المرحلة الثالثة بإدراك ذواتنا غير المرغوب بها. في الحقيقة بمجرد أن نصل للمرحلة الثانية، تبدأ بعض صفاتنا غير المرغوب بها بالظهور تدريجيًا، لأنها طاقة تريد التعبير وتريد الحل وتريد الشفاء. إذا كنا نظهر للخارج دائمًا شخصية الإنسان القوي المسيطر القائد، فعلينا أن نفصل هذه الصفات تدريجيًا عن ماهيتنا وندرك صفاتنا الضعيفة الرقيقة الناعمة. إذا كنا دائمًا منطقيين في كل ما نفعله، فعلينا فصل هذه الصفات تدريجيًا لنصبح قادرين على الحدس... الخ. بالمقابل علينا أن ننتبه أن كثيرًا من الأشخاص الذين يسمون أنفسهم روحانيين أو مسالمين أو زاهدين، يقومون أيضًا بكبت مشاعرهم العنفوانية والعنيفة والجنسية والشهوانية بشكل شديد، وهذا ما يجعلهم سريعي الغضب أمام كل موقف لا يتناسب مع مبادئهم، ولن يشعروا بالارتياح والشفاء ما لم يوازنوا طاقاتهم غير المرغوب بها مع الطاقات التعبيرية الأساسية. إن عدم إدراك طاقاتنا المطمورة المظلمة لن يمكننا أبدًا من العيش في النور.

عالمنا هو مرآتنا الداخلية:

إن العالم الخارجي هو من صنعنا، فلكل واحد منَّا رؤيته المحددة عن العالم والواقع الخاص به. قد لا يقبل الكثير من الناس مثل هذا الموضوع، ويلجؤون إلى التعميم فيقولون: "ألسنا كلنا نرى هذه الشجرة، أليس كلنا نرى هذا الكرسي وهذه الطاولة؟" طبعًا، هذا صحيح، ولكن دعوني أذكر ببعض الحقائق العلمية والواقعية:

أولاً: أثبتت علوم الفيزياء الحديثة أن معظم الأشياء هي فراغ، فيها ما يسمى الذرات والبروتونات والنيوترونات والالكترونات... الخ، ولكن القسم الأكبر يشكله فراغ، وأن هذه البروتونات والنيوترونات والالكترونات قد تشكل أحيانًا مظهرًا كتليًا، ولكن غالبًا مظهرًا موجيًا طاقيًا.

ثانيًا: عندما ننظر إلى الشجرة أو الكرسي أو الطاولة هل نراها كلنا بنفس الشكل ونفس الإحساس، وحتى نحن أنفسنا ألا نراها بشكل مختلف حسب حالتنا النفسية، مع أن هذه الأشياء لم تختلف؟

ثالثًا: طبعًا هناك ما يسمى رؤية فردية للموضوع ورؤية جمعية للموضوع وربما رؤية مجتمعية ورؤية عالمية، فكل الناس في العالم كله ستقول إن هذه شجرة، ولكن هذا الوعي اتجاه الشجرة هل هو نفسه للحشرة أو القرد أو السنجاب أو الأفعى أو إنسان خارج الأرض؟ وهنا ما نزال نتكلم عن شجرة، فكيف إذا كنا نتكلم عن الصداقة مثلاً. كثير سيقولون إن الصداقة بديهية ومعروفة، ولكن هل للصداقة نفس المفهوم عند المجتمع الأميركي والعربي والقبائل الإفريقية؟ والأكثر من هذا، هل مفهوم الصداقة في سوريا نفسه في كل قطاعات ومحافظات المجتمع، والأكثر من هذا، في المجتمع الدمشقي على سبيل المثال، هل مفهوم الصداقة هو نفسه عند أجدادنا وآبائنا ونحن وأولادنا؟ الشيء نفسه ينطبق على مفهوم الزواج، الأبوة والأمومة، البنوَّة، التديُّن، شخصية المعلِّم، شخصية الوزير، شخصية الجندي، شخصية الطبيب، شخصية الأم، هواية القراءة، هواية الرسم، هواية الموسيقى، الرياضة... الخ. مفهوم الجمال من أكثر الأمثلة وضوحًا، فهو يختلف من إنسان إلى آخر، من عائلة إلى أخرى، من مجتمع إلى آخر، من جيل إلى آخر... الخ.

هناك حقيقة أساسية علينا إدراكها. لنسأل أنفسنا هذا السؤال البسيط: إذا تواجد شيء أمامنا، لنقل باب، وليس في داخلنا وفي وعينا مفهوم الباب، لن ندركه وسنظل ترتطم به أو نستعمله بشكل خاطئ، حتى يصبح في داخلنا وكياننا مفهوم الباب. الشيء نفسه ينطبق على التمساح وعلى الأفعى وعلى كل شيء، فكيف بالأحرى عندما نتكلم عن الجمال والحب والصداقة، فلا بد أنها تثير في داخلنا وأحاسيسنا وعقلنا صور معينة حتى نستطيع إدراكها، فكل شيء نراه ونسمعه ونتذوقه ونفكر به ونشعر به، هو بسبب وجود مفهوم داخلي له، وإلا لما أدركناه ولم نره أو نسمعه، فكل شيء حولنا هو مرآة لما يوجد في داخلنا.

إذا أردنا فعلاً أن نفهم وأن نستنير، علينا أن ندرك أن كل شيء حولنا هو انعكاس لنا ومن صنعنا. لا يوجد أحداث أو أمور تحدث لي غير مرتبطة بي. إذا كنت أرى شيئًا أو أشعر بشيء، أو أحدث تأثيرًا بي، فأنا حتمًا من اجتذبته لي، أو أحدثته ليعلمني شيئًا ما. إذا لم يكن له صدى عندي أو كانت مرآة لشيء عندي، لكنت أصلاً غير قادر على رؤيته، وكل الأشخاص حولي الطيبين والبغيضين ما هم إلا انعكاسات لطاقات وشخصيات موجودة لدي.

علينا أن نفهم أنه لا يوجد شيء سلبي في الوجود، وأن كل شيء يحدث حولنا هو من أجل أن يعلمنا شيئًا ما، وفي النهاية، ألسنا على كوكب الأرض من أجل أن نتعلم حكمة الأرض بثنائياتها وتناقضاتها، وإلا لما تواجدنا على كوكب الأرض أصلاً. علينا دائمًا أن نذكر أنفسنا أننا هنا لنتعلم، وأن لا نعاقب أنفسنا على أخطائنا، بل أن نحسِّنها في المستقبل.

عندما نرى حياتنا بهذه الطريقة، سنجد أنها فيلم سينما رائع وفيه المغامرة، وكل الشخصيات التي حولي، ما هي إلا أجزاء مني على هذه الشاشة الكبيرة. عندما أراهم وأشعر بمشاعرهم وأصواتهم، أدرك أنهم كلهم مهمِّين لي، وأنهم أجزاء قيِّمة جدًا منِّي من أجل أن أعطي التعبير الكامل لحياتي.

إذا تقبلنا فكرة أنه في كل مرة تظهر لنا عقبة في حياتنا، يكون الكون قد أظهر لنا شيئًا معينًا لنتعلمه، نرى أنفسنا نتطور بسرعة في رحلة الخبرة الداخلية. كيف نفعل هذا؟ طبعًا ليس بالتحليل الزائد والوسواس حول الموضوع، بل أن نقوم بالاسترخاء والتنفس العميق، ثم التركيز على الداخل، واستقبال ما يأتي، ومن ثم نراقب النتائج الداخلية والخارجية للتغيرات التي أحدثتها في سلوكك نحو هذا الشخص. عادة ما تأتي النتائج الداخلية بشكل أحاسيس، فإذا شعرت أنك أكثر حياة ونشاطًا، فأنت غالبًا على الطريق الصحيح. علينا أن نتذكر أن التغير المطلوب يتطلب أحيانًا تضحيات، وأحيانًا يكون بطيئًا، ولكن سنرى التطور رويدًا رويدًا، وعلينا ألا ننسى أن الفترة الأكثر ظلامًا من الليل هي ما قبل الفجر مباشرة.

إذا كنا نبغض إنسانًا ما على أساس أنه أناني مثلاً، فمن خلال تركيزنا الداخلي على مفهوم الأنانية، قد نكتشف أنها طاقة مكبوتة عندنا، أنها ذات غير مرغوب بها، وربما الدرس الذي يجب تعلمه، ليس طبعًا أن نصبح أنانيين، بل أن نلتفت قليلاً لأنفسنا، لأننا نبدي مصلحة الآخرين دائمًا على مصلحتنا.

الرجل والمرأة:

حتى اليوم، لا يميز الكثير من الناس أن اليانغ والين موجودان في كل واحد منا، وبالتالي الرجل والمرأة موجودان في كل واحد منَّا. على مستوى بيولوجي، فإن كل الهرمونات (بما فيها الهرمون المسؤول عن الرضاعة) موجودة في الاثنين، ولكن طبعًا بنسب مختلفة. على المستوى الجنيني، يبدأ الاثنان من نفس التكوين الأساسي الذي يميل أن يكون شكلاً أنثويًا، ثم يحدث التمايز شيئًا فشيئًا. على المستوى الوراثي، الكروموزوم X الأنثوي موجود في كلينا، والكروموزوم Y موجود فقط في الذكر، ولكن معظم المورثات الموجودة عليه موجودة على الكروموزوم X... تقليديًا، تم تعليم الرجال أن يكونوا قاسين، أقوياء، وأن يردعوا مشاعرهم العاطفية والحدسية والأبوية. ولذلك كان الرجال يحتاجون للنساء بشكل صارخ من أجل الحصول على الدعم النفسي والعاطفي والحدسي والتربوي. في المقابل، كان المطلوب من النساء أن يمثلن الطبيعة العاطفية الناعمة الحساسة، وأن يكبتن ذكاءهن وقوتهن وشخصيتهن المستقلة. طبعًا كثير من الأمور تغيرت في القرن الأخير، فصرنا نرى الآباء يظهرون عواطف أكثر تجاه أولادهم والآخرين، وصرنا نرى النساء المكافحات في جو العمل والمجتمع.

إن أية علاقة بين اثنين تمثل رغبة داخلية في إحداث توازن معين داخل هذا الشخص. تكمن المشكلة في أن معظم العلاقات تقوم على أنه ينقصني جانبي الآخر وعلى الجانب الآخر أن يتمِّم هذا النقص. في بداية العلاقة، يكون هذا شيئًا رائعًا، فكل ما ينقصني يقوم الطرف الآخر بتلبيته، وتبدو الحياة شهر عسل مستمر، ولكن مع الوقت تزداد المسؤوليات تدريجيًا، يزداد العبء المادي والاجتماعي والنفسي، ويزداد تطلب كل فرد منهما أن يحصل على الدعم النفسي والمادي من الفرد الآخر والذي يتطلب الشيء نفسه والذي أصلاً ازدادت أعباؤه، هذا عدا عن دخول الروتين مكان الحماس. المشكلة أن كلا منهما صار يبحث أكثر وأكثر عن الدعم والتقييم من الشخص الآخر بدلاً من أن يبحث عنه في داخله أو داخلها.

يكمن الحل في أن يعود كل واحد منهما ويبحث عن استقراره وأمانه ودعمه لنفسه في داخله وليس من الشخص الآخر، ولأن العالم مرآتنا، فكلما دعمنا نفسنا داخليًا أكثر وكلما وجدنا نصفنا الآخر في داخلنا (أي أن الرجل شعر بجانبه الأنثوي أو صفاته الحساسة والمرهفة والرقيقة في داخله، والمرأة شعرت بجوانبها العملية الواثقة داخلها) سيفاجآن كيف سيجدان شريك حياتهما بسرعة أكبر وكيف سيجدان أشخاصًا أكثر بالصفات التي يبحثان عنها.

قد يقول البعض: "ولكن عندما يقوم الرجل بتنمية صفاته الداخلية الأنثوية ألا يصبح مخنثًا، وعندما تطور المرأة صفاتها الداخلية الذكورية ألا تصبح مسترجلة؟". على العكس تمامًا، فعندما يحدث كل منهما هذا التوازن الداخلي، سيكون واثقًا أكثر بصفاته الذكرية أو صفاتها الأنثوية، لأنهما يشعران بتوازن داخلي أكبر، بثقة أكبر، وأن من يأتي بطريقهما هو إضافة لكينونتهما وليس ضرورة حتمية عليها أن تحصل الآن، وإلا سيتجاوزهما قطار الزمن.

تغيير عالمنا:

نستنتج من كل هذا، أن التوازن والإدراك الصحيح لا يكون بنفي الجانب الآخر وربما المظلم فينا، بل بتفهمه وإدراكه وسبره. ما علينا فعله هو الدخول إلى أعماق نفسنا ومعرفة مخاوفنا وعيوبنا وجوانبنا المظلمة، وإحداث توازن بينها وبين ما نظهره للخارج (والذي هو أحيانًا مجرد قناع)، وعندئذ سنفاجأ تمامًا كم سنحب أنفسنا بشكل أكبر، كم سيحبنا الناس بشكل أكبر وكم ستغمر السعادة حياتنا.

علينا أن ندرك أن حدوث انفعال أو ارتكاس مبالغ به ولا يتناسب مع الموقف، كالغضب الشديد والتوتر الشديد والموقف السلبي المبالغ به تجاه موضوع أو شخص معين، قد يحمل في ثناياه تخبط داخلي تجاه هذا الموضوع أو هذا الشخص، فقد يكون هذا الموضوع هو صراع داخلي نحاول كبته، وقد يذكرنا هذا الشخص بصفات نحاول طمسها في حجر داخلية عميقة جدًا. كم سمعنا من حالات النساء الكارهة للرجال والزواج وفكرة الجنس بسبب اعتداءات جنسية تعرضن لها في الصغر، وكم يحمل التعصب الديني المبالغ به تخبطًا داخليًا عند ذاك الإنسان في علاقته مع الدين ومع الله سبحانه تعالى، وكم سمعنا عن أناس مرموقين في المجتمع ظلموا أناسًا آخرين وحتى أولادهم بسبب أفكار وآراء معينة، وتبين أن هؤلاء الناس أنفسهم قد كبتوا هذه المشاعر لفترات طويلة؟ يعرف الإنسان المتدين بشكل حقيقي أن الله عز وجل ينير قلبه وعقله وهو قادر على كل شيء، وليس له حاجة لأن يقوم هذا الإنسان بإلغاء الآخرين أو تكفيرهم أو قتلهم. نرى الأهل أحيانًا يبالغون بانتقاد تصرفات أولادهم بشكل عنيف، ويقولون لهم نحن لم نكن نفعل هذا، ولم نتجرأ على فعل هذا، ولكن أليس في نفوس هؤلاء الأهل رغبة داخلية بالتمرد قاموا بدفنها تحت سابع أرض؟

في كل شخص منا هناك مكان خال من المرض، خال من الألم، لا يشيخ ولا يحتضر. عندما نذهب إلى ذلك المكان، تختفي كل القيود والحدود، وهذا المكان يدعى الصحة المثلى Perfect Health. قد تكون زياراتنا لذلك المكان قصيرة جدًا وقد تستمر لسنوات. حتى الزيارة القصيرة جدًا، تحمل معها تغيرات كبيرة، فكل الافتراضات والتوقعات الموجودة عادة في الوجود العادي تتغير، وتصبح إمكانية تواجد آخر، أعلى وأكثر حقيقة من التواجد العادي، أكثر ازدهارًا.

هذا المكان يمثل وحدتنا الداخلية، تكاملنا وتوازننا و في الوقت نفسه الوحدة مع كل شيء حولنا.

في عام 1952، قام العلماء اليابانيون بدراسة تصرفات القردة البرية في إحدى الجزر النائية، وكان الغذاء الأساسي لهؤلاء القردة هو البطاطا الحلوة. لاحظ العلماء أن إحدى القردة فقط قامت بغسل البطاطا قبل تناولها، وأنها أعادت هذا التصرف في الأيام التالية، ولاحقًا بدأت قردة أخريات تقلدنها، وازداد العدد بشكل متسارع. لاحظ العلماء أن قردة آخرين بجزر أخرى ليست لها علاقة بهذه الجزيرة ولا يوجد انتقال للقردة بين تلك الجزر قامت بفعل الشيء نفسه. غسل البطاطا كانت عملية تطورية بالنسبة للقردة، حتى بدون وجود تواصل بين الجزر المختلفة، وهذا بحد ذاته يعلمنا درسًا كبيرًا عن التطور الذي قد يحدث لدى الناس.

كون العالم هو مرآتنا الداخلية، فعندما نقوم بتطوير أنفسنا سيتطور العالم معنا، وستجد أن كل من حولك بدأ يتغير ويتطور، لماذا؟ لأنك بدأت تشعر بقوة الكون داخلك، صرت تشعر بوجود الكون كله في جسمك. تحسين صورتنا الداخلية والتأكيد الداخلي هما أكبر سلاحين يمكن استخدامهما، وبما أن العالم مرآتنا، فما نرى في الخارج هو صورة عما في أنفسنا، وعندما نحدث التطور في داخلنا، سيتطور ما حولنا. ليس علينا طبعًا أن نلوم أنفسنا في ما يحدث بالعالم، فنحن لسنا مسؤولون عن حياة الآخرين، ولكننا كلنا نكوِّن العالم مع بعضنا. المهم أن نحمل الطاقة الإيجابية المطلوبة لتغيير أنفسنا والعالم من حولنا.

يسأل الكثير ماذا نفعل نحو ما نراه من مشاكل العالم ومشاكل بلدنا. هل فعلاً يستطيع أي منا الآن بالعمل الخارجي أن يفعل شيئًا؟ المهم أن نقوم بعملنا الداخلي ونغير أنفسنا. إذا كان العنف هو ما يشغلنا، فلنبدأ برؤية ماذا يمثل العنف فينا؟ كيف نتعامل أحيانًا بعنف في مواقف متعددة؟ وكيف يلعب العنف دورًا في حياتنا؟ علينا أن نقوم بفهمه وإدراكه وعندئذ سنرى أنه سيقلُّ تدريجيًا حولنا. إذا كان ما يزعجنا هو الفقر في العالم، فلنبدأ بتحسين حالة شخص ما أو جمعية ما، وفي الوقت نفسه ننظر داخليًا لمكامن الفقر في داخلنا، فقد نكون من الأغنياء خارجيًا ولكن عندنا فقر نفسي وروحي هائل، أو نكون مرتاحين نفسيًا وروحيًا لكن نعتبر المال شرًّا، فهنا علينا أن نصل لتوازن داخلي أكبر تجاه فكرة المال والفقر.

عندما نبدأ بالتحول المطلوب نحو النور، سنميِّز عندها مدى الظلمة التي كنا نعيش فيها، وسنشعر كيف أن الطريقة التي كنا نعيش فيها، والتي بدت طبيعية وسليمة وقتها، هي طريقة غير صحية وغير سليمة، وهذا ما نراه في العالم. العالم كله يحاول التغيير وإحداث تطور معين، ولكن بسبب نقص الوعي الكافي وعدم وجود انسجام داخلي عند الناس، يتخبط العالم في صراع وعنف لا نهاية له. قد يقول البعض إن التغير الداخلي هو موقف سلبي ونرجسي تجاه مشاكل العالم، ولكن مع الوقت سيدركون أنه من أكثر الطرق نجاعًا وعمليةً، لأنه بعملنا الداخلي سنعطي إحساسًا أكبر بقدرتنا على التغيير على المستوى الشخصي والمجتمعي. في أي موضوع نعمل عليه، إذا كنا نفعله من معطيات خوف وقلق، ستكون النتائج واهية جدًا، حتى لو بذلنا الجهد الكافي، أما عندما نصبح أكثر ثقة بحدسنا ونشعر بقوة الله سبحانه تعالى داخلنا، فسنرى كيف أن التغييرات المطلوبة ستكون أقوى وأسرع.

إن الوحدة هي المبدأ الكوني الأعلى، هي قمة التوازن والانسجام. بمجرد أن بدأت الوحدة بالتعبير، وجدت الثنائية، أي تعبير ولا تعبير، مثل مبدأ الصفر والواحد بالحاسوب، وجد مبدأ التوسع للخارج والتعبير أي اليانغ ومبدأ الانكماش والعودة للواحد أو الين، وكل واحد يتمم الآخر. ليس الواحد جيدًا والآخر سيئًا، الواحد سيذهب للجنة والآخر للنار... المشكلة أن الإنسان ولضيق عقله وأفقه، وهذا طبعًا ناجم عن شعوره بالعزلة وعدم الأهمية والدونية، أراد تضخيم نفسه والحصول على ميزات أكبر، فصار يقول أنا الجيد وأنت السيء، كما للأسف حدث طوال التاريخ لتبرير الحروب والغزوات والحصول على ميزات أكبر، فنرى جورج بوش يسمي نفسه وجماعته بالصالحين الأبرار ويجب محاربة الأشرار الإرهابيين، ونرى غيره يدعي بأنه يحقق مشيئة الله في حربه على الكفرة والمارقين، ولكن ليكن عندنا فقط بعض الصراحة مع نفسنا ونسأل نفسنا: "إذا كان فعلاً الله سبحانه وتعالى يريد قتل كل من لا يؤمن به كإله واحد (مع أن هذا افتراضًا، لأنه حتى الديانات غير السماوية كما نسميها لديها إله أكبر وآلهة أصغر تشبه صفات الملائكة)، ألا يعني هذا وجود غيرة لدى الله تعالى من العبادات الأخرى (والله في النهاية هو كل شيء ويشمل كل شيء)، وبالتالي هؤلاء الناس أنفسهم كفرة لأنهم يقاومون عبادات أخرى تتنازع مع الله الذي هو كل شيء، وبالتالي تفكيرهم غير توحيدي؟ وهل يختلف هذا عن عندما كان البابليون أو الآشوريون أو الفرس أو الرومان يحاربون الآلهة المحلية ويميزون آلهتهم.

الطريقة الوحيدة لنتسامى هو أن نفهم الثنائية ونستوعبها ونعرف أن لكل شيء ظلٌّ، وعلينا سبر هذا الظل والدخول في أعماق نفسنا وفهم كل جوانبها من أجل الوصول إلى الإيمان بالله الأوحد، أما إذا ظللنا فقط نحارب الجانب الآخر، فنحن نحارب ظلنا وبالتالي نحارب أنفسنا والأكثر من هذا نقتل أنفسنا.

*** *** ***

المراجع:

Between Heaven and Earth:  Harriett Beinfield, Efrem Korngold.

Living In the light:  Shakti Gawain.

Le Symbolisme du corps humain: Annick de Souzenelle.

Cosmic Balance: Omraam Mikhaёl Aivanhov.

Human suffering and the collective dark night of the soul. Marianne Williamson.

 

 

 

الصفحة الأولى
Front Page

 افتتاحية
Editorial

منقولات روحيّة
Spiritual Traditions

أسطورة
Mythology

قيم خالدة
Perennial Ethics

 إضاءات
Spotlights

 إبستمولوجيا
Epistemology

 طبابة بديلة
Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة
Deep Ecology

علم نفس الأعماق
Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة
Nonviolence & Resistance

 أدب
Literature

 كتب وقراءات
Books & Readings

 فنّ
Art

 مرصد
On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني