صناعات حرفية مميزة في دمشق

 

سمير عنحوري

 

اشتهرت دمشق منذ زمن بعيد بأعمالها الحرفية المتعددة وخاصة الفنيَّة منها وأهمها صناعة الخزف والسيوف والزجاج الملوَّن والنحاس المنقوش والحرير والنجارة وغيرها... لكن بعض هذه الحرف انقرضت مع الزمن لأسباب عديدة ومختلفة، مثل صناعة السيوف الدمشقية والزجاج الملوَّن والخزف الملوَّن بينما بقيت حرف فنية أخرى تنتج صناعاتها التقليدية التي ازدهرت من جديد منذ منتصف القرن التاسع عشر لسببين أساسيين أولهما حركة الاستشراق والثاني ظهور صناعيين وحرفيين موهوبين نالوا شهرة واسعة في بلاد الشام وخارجها دامت حتى نهايات القرن العشرين ثم خمدت بسبب زوال أصحابها من جهة وللظروف الصعبة التي تمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط من جهة أخرى آملين أن يعاود من تبقَّى من الحرفيين المميزين نشاطهم الفني في أقرب وقت ممكن.

وأودُّ هنا أن أحْيي ذكرى البعض من هؤلاء الحرفيين المميزين الذين عاشوا وعملوا خلال القرن الماضي في حيِّ باب شرقي حصرًا ليس بعيدًا عن المنزل الذي عشت فيه طفولتي، وأغنوا دمشق والعديد من ديارها بأعمالهم التي تمتَّعت بدقة الصنع والذوق الرفيع.

كان أقدم هؤلاء الصناعيين والحرفيين الذين أسَّسوا صناعاتهم الحرفية في الربع الأخير من القرن التاسع عشر آل النعسان وتقع دارهم الجميلة التي يشغلها أحفادهم حتى الآن في حارة حنانيا جانب الباب الشرقي. ولهذه الدار امتداد واسع خارج الباب الشرقي شيِّد فيه بناء كبير يحتوي على مخزن للعرض والبيع تفتح واجهته على الطريق العام خارج السور وورشات عديدة ومتخصصة: ورشة صنع البروكار الفاخر المتعدد الألوان وكانت تحوي عشرات الأنوال اليدوية، وورشة النجارة لصنع الأثاث الشرقي التقليدي ومنه المطعَّم بالصدف، وورشة الأعمال النحاسية من أدوات وثريات ومصابيح ومزهريات وغيرها بعضها مطعَّم بالفضة، ورشة صناعة الحلي والمصوغات الفضية والذهبية... الخ. ويعلو المخزن وصالة العرض منزل ذو طابق واحد وسطح مغطى يحوي طيارة كان يسكنه أحد أفراد العائلة. أما عدد العاملين في هذه الورشات فكان يتجاوز المائة من العمال والحرفيين والمعلمين (كما يظهر في الصور المرفقة) ينتمون إلى ديانات ومذاهب مختلفة.

لا أعلم إذا كان أحد أفراد العائلة المؤسسة يُتقن حرفة ما ولكن من المؤكد أن هذه العائلة كانت تتمتع بحسٍّ تجاري مميَّز ومعرفة نادرة في ذلك الزمن عن الدعاية وفن التسويق التجاري إذ إنهم أسسوا منذ مطلع القرن العشرين فروع تجارية في عدد من البلاد العربية والأجنبية: بيروت والقاهرة وتونس والجزائر واسطنبول وباريس ولندن ونالوا جوائز وشهادات عديدة من معارض دولية أوربية ومحلية شاركوا بها منذ نهايات القرن التاسع عشر، واعتقد أنه تم إغلاق البعض من فروعهم الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى وما تبقى منها بعد الحرب العالمية الثانية.

***

لقد عاصر المعلِّم الحرفي جرجي جبرائيل بيطار الدمشقي الذي ابتكر فن الموزاييك في دمشق وبلاد الشام آل النعسان لا بل سبقهم ببضعة أعوام في تأسيس ورشته للنجارة وصنع الأثاث المزين بالموزاييك الخشبية. ولد جرجي البيطار في عام 1840 في منزل أبويه الكائن في حارة الجوانية ثم انتقل فيما بعد إلى حارة القصبة في حي باب شرقي حيث توفي عام 1935. كان والده جبرائيل يتعاطى صنعة طبِّ الخيل الذي أخذها عن أبيه واشتهر بها. أرسله والده أولاً إلى مدرسة الكاثوليكية في حارة الزيتون ثم إلى مدرسة دير الفرنسيسكان في حي باب توما، وترك الدراسة عام 1856 مكتفيًا بما تلقَّاه من العلم والثقافة، والتحق بمكتب أحد أصدقاء والده التاجر الشهير فضل الله سيوفي الذي كان أهم كاتب في دمشق، فأتقن الكتابة عن يده.

كان جبرائيل يودُّ أن يعلِّم ابنه جرجي صنعة البيطرة، لكنه أنس من ابنه ميله الفطري إلى النجارة إذ لاحظ أنه كان يذهب بعد خروجه من المدرسة إلى سوق النجارين يراقب عملهم هناك، "فتركه يسير على هواه وميوله الفطرية ثم فتح له حوالي عام 1859 حانوتًا صغيرًا في حارة الجوانية ليشتغل فيها نجارًا لحسابه الخاص ويعمل بجدٍّ وذكاء لتحقيق مواهبه الفنية وحبِّه للإتقان"[1].

بدأ جرجي بيطار صناعته الفنية بتطعيم خشب الجوز بقطع صغيرة من خشب الليمون الأصفر ثم أضاف إليها قطع من خشب المشمش الأحمر قُطِّعت جميعها بأشكال هندسية دقيقة، وصنع من لبِّ الليمون عروقًا وزهورًا مختلفة فأبدع في هذه الصناعة كلَّ الإبداع، وتفرَّد بصناعة عدَّة أعمال مدهشة كان يشتغل فيها أحيانًا دون انقطاع حتى ساعات متأخرة في الليل. لم يقبل طيلة حياته القيام بعمل "تجاري" يخالف مبادئه في أمانة الصنعة ودقة الإتقان. وقد تعلَّم منه عدد كبير من العمال عملوا تحت إشرافه المباشر في ورشته الموسَّعة. ومن تلاميذه الذين عرفتهم شخصيًا أو سمعت عنهم جرجي وميشيل شنيارة، أنطوان فرانسا، جرجي خباز، ميخائيل مقحط... الخ.

تواجد الكثير من أشغاله في بعض البيوت الدمشقية كما تواجدت أعمال عديدة وهامة جدًا في كاتدرائية "سيدة النياح" للروم الكاثوليك في حارة الزيتون، إيقونسطاس كنيسة "القديس يوليانوس الفقير" ST. Julien le Pauvre في باريس الذي صنعه في دمشق من الخشب المطعَّم عام 1891 ثم سافر إلى باريس في العام التالي لينصبه في موقعه هناك حيث يمكن مشاهدته والاعجاب به حتى الآن، خزائن ومكاتب وطقم مقاعد وكراسي كامل أُرسلوا هدية إلى السلطان عبد الحميد عام 1895 هدية من قبل والي دمشق سعيد باشا الذي طلب من جرجي بيطار الإشرافَ بنفسه على نقلها وتقديمها إلى السلطان في اسطنبول. وقد حازت هذه الهدية على إعجاب وتقدير السلطان عبد الحميد فنقده مبلغًا كبيرًا وأنعم عليه بوسام المجيدي الخامس وبميدالية الافتخار الفضية للصنائع، وخزانة أُرسلت هدية إلى البابا بيوس العاشر عام 1907 من قبل الرئيس العام للرهبانية المخلصية بمناسبة احتفالات دينية في روما لإحياء الذكرى المئوية الخامسة عشرة لوفاة القديس يوحنا الذهبي النطق خطيب الكنيسة الأعظم بحضور ومشاركة الكنائس الشرقية، "وكلف الرئيس العام جرجي بيطار أن يسافر إلى روما ليركِّب بيده تلك الخزانة في غرفة قداسته". كما طلب القنصل النمساوي في دمشق مكتبًا كاملاً لعرضه في معرض فيينا الصناعي سنة 1891 لتمثيل الصناعة الدمشقية، ونال جرجي البيطار الجائزة الأولى في المصنوعات الخشبية في المعرض الذي أقيم في مصر عام 1904.

كان جرجي البيطار مؤمنًا ورعًا للغاية شديد التواضع كرَّس حياته لمساعدة الفقراء وخدمتهم في كل مناسبة حتى أنه كان يأتي بهؤلاء إلى منزله لتعتني بهم زوجته وتطعمهم على حساب أولادها. مات جرجي البيطار عن عمر يناهز الخامسة والتسعين سنة وشيِّع بموكب عظيم شمل كافة طبقات المجتمع على اختلاف دياناتهم وطوائفهم وبحضور البطريرك وعدد من الأساقفة والرهبان وكذلك حضر ليمثِّل الحكومة وزير العدلية ونائب رئيس الوزراء ووفد من أعيان دمشق وأعداد كبيرة من الفقراء ليودعوا من كان أباهم وخادمهم.

إن ذكر جرجي البيطار لا يزال يتردد حتى الآن على أفواه تجار وبائعي الأثاث الشرقي القديم ينسبوا إليه أعمالاً تجارية رخيصة الصنع كي تباع بأضعاف سعرها لشارٍ غير مختص وهي بالحقيقة لا تمت لا من قريب ولا كم بعيد إلى الأعمال الجميلة المدهشة التي دعاني في يوم ما لمشاهدة بعضها في منزله أحد أصدقائي وهو حفيد المرحوم جرجي البيطار.

***

بقي أن أذكر في سياق هذا الموضوع ثلاثة حرفيين آخرين عاصر اثنين منهم النعسان والبيطار وهما آل المزنَّر والصرَّاف والمعلومات عنهما ضئيلة. فقد أسَّس أنطون مزنَّر معملاً لصناعة البروكار الحريري الفاخر خارج الباب الشرقي على مسافة قريبة منه ومن ورشات النعسان. وكان هذا المعمل الذي تأسس حسب تقديري في أوائل القرن العشرين عبارة عن بناء حجري كبير كان يحوي على ما أذكر ثلاثين نولاً يدويًا أو أكثر بقليل، يُنتج بروكار فاخر بألوان ورسوم مختلفة بعضه متخصِّص بأشكال ورسوم الثياب الدينية التي يرتديها رجال الدين المسيحي في كنائسهم أثناء الصلاة وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية الكبرى.

شارك آل مزنَّر في معارض محلية ودولية ونالوا هم أيضًا جوائز تقديرية لصناعتهم المميزة. وقد زال المعمل منذ أكثر من عشر سنوات في إطار المخطط التنظيمي للمنطقة وبقي المخزن التجاري التابع له الواقع في حيِّ الحريقة التجاري. وقد علمت منذ مدة قصيرة بأن الحفيد الوحيد للعائلة في دمشق يسعى جاهدًا لإحياء الصنعة العائلية في ورشة تقع في ضواحي دمشق وأرجو له التوفيق.

أما الحرفي الثاني فهو لويس صرَّاف الدمشقي الذي عاش وعمل في حارة حنانيا وكان يعمل بمفرده على ما أعتقد في صنع الأواني النحاسية المختلفة الأشكال المطلية بالمينا ذات اللون الأبيض والأزرق الفيروزي، وهي صنعة مقتبسة على ما أظن من الفن الإيراني. كان انتاجه جميلاً دقيق الصنع ذا درجة فنيَّة عالية، تم صنعه في النصف الأول من القرن العشرين وربما أيضًا حتى الستينات منه. لم ينقل هذا الحرفي الفنان صنعته إلى أحد ولم ينافسه فيها أحد. إن أعماله نادرة الوجود في الأسواق المتخصصة بالمصنوعات الشرقية وأصبحت إن وجدت مرتفعة الثمن لا يقتنيها سوى المختصِّين بالفنون الدمشقية.

بقي أن أتكلم عن الحرفي الخامس والأخير وهو مشغل م. الحلاق وأولاده المعروف بمشغل أبو أحمد لصناعة الزجاج اليدوي الكائن في باب شرقي – طريق الإحدى عشرية، وليس بعيدًا هو الآخر عن ورشة النعسان. تأسس هذا المشغل الحرفي أو عُرف في أوائل الخمسينات من القرن الماضي ولاقى نجاحًا دائمًا ومستمرًا، يقصده بشكل خاص الأجانب المقيمين في دمشق إضافة إلى زبائن محليين ومجموعات من السيَّاح.

اشتهر هذا المصنع الحرفي البسيط بأعماله التقليدية وبطريقته التقليدية أيضًا في صنع الأشكال المتعددة للأواني الزجاجية الملونة بلون أخضر أو أزرق أو عسلي أو أبيض، والمقتبسة من التراث الفني الشرقي. ثم تطور الإنتاج إلى صنع ثريات ذات أحجام وأشكال مختلفة وأواني مطلية رسمًا بألوان وزخرفات شرقية أكثر تناسبًا مع الذوق المحلي، بينما بقيت الأشكال البسيطة الأولية أكثر اقبالاً من الزبائن الأجانب تُصدَّر إليهم وخاصة إلى البلاد الإسكندنافية في شمال أوربا بكميات كبيرة.

توقف العمل في هذه الورشة بسبب الأحداث والظروف الصعبة التي كنا نعيشها في دمشق منذ عدة سنوات، ويحاول أحمد الذي خلف أباه أن يعيد الحياة الآن إلى هذا المشغل الحرفي التقليدي حسب الإمكانيات المتوفرة.

دمشق 31 تشرين الأول 2018

*** *** ***


 

horizontal rule

[1] كتاب الأب متري هاجي أتناسيو، جرجي جبرائيل بيطار، مبتكر فن الموزاييك وخادم الفقراء، (1840-1935).

 

 

 

 

 الصفحة الأولى

Front Page

 افتتاحية

                              

منقولات روحيّة

Spiritual Traditions

 أسطورة

Mythology

 قيم خالدة

Perennial Ethics

 إضاءات

Spotlights

 إبستمولوجيا

Epistemology

 طبابة بديلة

Alternative Medicine

 إيكولوجيا عميقة

Deep Ecology

علم نفس الأعماق

Depth Psychology

اللاعنف والمقاومة

Nonviolence & Resistance

 أدب

Literature

 كتب وقراءات

Books & Readings

 فنّ

Art

 مرصد

On the Lookout

The Sycamore Center

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

  ساعد في التنضيد: لمى       الأخرس، لوسي خير بك، نبيل سلامة، هفال       يوسف وديمة عبّود