الصفحة التالية                  الصفحة السابقة

البلاغة والتأويل؛ بحث في حدود البلاغة وبلاغة الحدود 1

 

البشير النحلي

 

الفصل الثاني من الباب الثاني:

قَبليَّاتُ البَلاغة العربية

كنَّا أشرنا في فاتحة هذا الباب إلى واجب السَّعي لتخليص البلاغة من التَّبعية لكلِّ الأنواع الخِطابية التي تشكِّل موضوعها وحقل اشتغالها. وجعلنا الفصل الأوَّل منه فصلاً تمهيديًّا أبرزنا من خلاله أنَّ البلاغة تنزع للتَّفسير وتجتهد لتبقى وفية للنَّظر إلى الخطاب نظرًا منهجيًّا يستثمر قواعد تركيبية ودلالية وتداولية. وقد انتهينا إلى أنَّ منظور المفسِّر يسمح لصاحبه بإدراك انفتاح كلِّ النُّصوص وقابليَّتها الأكيدة للتَّأويل الذي لا ينتهي عند حدٍّ، مما يفرض عليه التَّسليم بألاّ خارج للتَّأويل ولا مفرَّ منه ولا سبيل للوقوف ضدَّه. وهذا ما جعلنا نشدِّد على أنَّ التَّفسير نفسه لا يمكن أن يقوم إلاَّ على قاعدة معارف خلفية موجِّهة، أيْ أنَّه لا يقوم إلا على أساس تأويلي. بيد أنَّ التَّسليم بدور الخلفيَّات والقبليَّات في توجيه كلِّ عمل تأويلي فلسفي، بل وكلِّ تفسير علمي لا يُعفي من واجب مساءلتها وتتبُّع كيفيَّات تدخُّلها وحدود تأثيرها إنْ لم يكن لفكِّ الارتباط بينها وبين العلم فعلى الأقلِّ من أجل الحدِّ من آثارها الجانبية غير المرغوبة بالتَّعبير الطبِّي.

سنخصِّص هذا الفصل لمساءلة بعض تلك القبليَّات، وهي قبليَّات عامَّة وخاصَّة: ترسم الأولى الملمح التأويلي العام للبلاغة، إذ هي المنطلق والغاية؛ فيما ينحصر دور القبليَّات الخاصَّة في تهيئة أرض الخطاب ومفاهيم البلاغة لبناء الطَّريق التي تؤدي، بشكل حتمي، إلى تبرير القبليَّات العامَّة بترجمتها إلى "واقع بلاغي":

أوَّلاً: لقد نشأت البلاغة - وهذا يتعلَّق بقبليَّاتها وملمحها التَّأويلي العامِّ - بين قوم يعتبرون أنفسهم "فرسان الكلام وجهابذته" وفي مجال ثقافي تمحورت فيه الجهود حول القرآن الذي ذهب أغلبُ البلاغيِّين إلى أنَّ إعجازه قائم في بلاغته وخصوصيَّاته الأدبية بالغة الثَّراء. من هنا اختصار البلاغة لمطالبها في مطلبين أساسيين: يتمثَّل الأوَّل في السَّعي لفهم أسرار النَّصِّ المعجز، ويتمثَّل الثَّاني في النزوع العامِّ لجعل وجوه تأليف الكلام المثلى التي ينبغي أن تحتذى هي وجوه العرب الذين نزل القرآن بلسانهم وبين ظهرانيهم. فكان أنْ نُظِر إلى البلاغة باعتبارها علمًا عربيًّا قرآنيًّا حتى وإن كان ينشغل أيضًا بتحقُّقات نصية بشرية اعتبرت نماذج مثلى لكلِّ متكلم يود درك بعض ذوق العرب وتحصيل ملكة لسانهم. هذا بالضَّبط ما يقوله ابن خلدون، مثلاً، في الفصل الذي خصَّصه لعلم البيان من مقدمته:

واعلم أنَّ ثمرة هذا الفن إنما هي في فهم الإعجاز من القرآن؛ لأنَّ إعجازه في وفاء الدَّلالة منه بجميع مقتضيات الأحوال منطوقة ومفهومة، وهي أعلى مراتب الكمال، مع الكلام فيما يختص بالألفاظ، في انتقائها وجودة رصفها وتركيبها، وهذا هو الإعجاز الذي تقصر الأفهام عن دركه. وإنما يدرك بعض الشَّيء منه من كان له ذوق بمخالطة اللِّسان العربي وحصول ملكته، فيدرك من إعجازه على قدر ذوقه.

فلهذا كانت مدارك العرب الذين سمعوه من مبلغه أعلى مقامًا في ذلك؛ لأنهم فرسان الكلام وجهابذته، والذَّوق عندهم موجود بأوفر ما يكون وأصحِّه.

ونحن إنما نفترض أنَّ ربط البلاغة بالعرق وحده، أو إلحاقها بالدِّين على انفراده، أو مساواتها بالأدب، أو جعلها تنخرط في مذهب من المذاهب التَّأويلية والفلسفية من شأنه أن يعزِّز فيها الإيديولوجيا ويقلِّص ممكنات العلم. أمَّا أن يشكِّل كل ذلك تحالفًا يتولى مهمَّة ترسيم الحدود التي لا ينبغي للبلاغة أن تخرج عن إطارها فإنَّنا نعتقد أنَّ أرض البلاغة لن تُنْبِت، حينها، سوى العنف والإقصاء الذي يتحصَّن وراء قبليات تُقدَّم باعتبارها مبادئ لازمة لاستمرار الثَّقافة وبقاء الأمَّة.

ثانيًا: تنطلق البلاغة، وهذا يتعلَّق بالقبليَّات التَّصورية ذات العلاقة الصميمة بمشكلات اللُّغة والخطاب، من مواقف مبدئية: (1) تعلي من شأن الخطاب الأدبي وهو ما يمكن أن يؤثِّر كثيرًا على رؤية البلاغي التي يصير في إطارها هذا الخطاب ذو المطالب الخاصَّة معيارًا ينبغي أن تقاس إليه كل أصناف الخِطاب؛ (2) تربط الخطاب الأدبي بالقدرة على تحسين الكلام وقول الأشياء ذاتها بأشكال مختلفة، وهذا يستلزم، من بين أشياء أخرى، توسيع قائمة مفردات اللغة لتصير مما لا يحاط به وهو ما يمكن أن يحول دون تأدية اللُّغة لبعض وظائفها المرتكزة على الدِّقة والتَّحديد؛ (3) تجعل مكونات الدَّليل مكونات متطابقة متعادلة، وهو ما قد تكون له نتائج كثيرة وخطيرة، ذلك أنَّ النَّظر إلى الدَّليل على هذا النَّحو من شأنه أن يخفي أسباب اختلاف الأقوال التي تحيل إلى نفس الأشياء. وهذا ما يُسهِّل الحكم على أقوال الآخرين بوضعها في خانة الأقوال المزيِّفة والكاذبة عن ترصُّد وسبق إصرار؛ (4) تعتبر الدَّليل المفرد أصلاً. فلا يكون الخطاب حينها سوى تركيب للمفردات. ولا شكَّ أنَّ هذا المدخل - الذي لم يعد نفعه أكيدًا حتى بالنسبة للنَّحو كما بين ذلك النَّحو التَّوليدي مع شومسكي - قد يعوق عمل البلاغي الذي يطمح إلى فهم أشكال بناء وتلقي الأقوال التي تختلف ضرورة عن الجمل بسببٍ من علاقتها - غير القابلة للفصم - بسياقات ومقامات الاستعمال؛ (5) تقدم اللغة في صورة وسيط محايد شفَّاف ينقل الأخبار ويبلِّغها دونما تغيير. وهذا من شأنه أن ينقل البلاغي من "حقيقة الخطاب" إلى "خطاب الحقيقة"، أي إلى المطلق الذي لا يترك المجال لربط اللُّغة بالمنظورات والمواقع.

فيما يلي بيان تفصيلي لما أجملناه أعلاه:

1. قبليَّات عامَّة:

رأينا في الفقرات التي خصَّصناها لاستراتيجيَّات التَّأويل من الفصل السَّابق أن تودروف يُرجع قيام الحاجة إلى التَّأويل في الاستراتيجية الآبائية إلى المسافة والتَّوتُّر بين المعنى المباشر للنَّصِّ التَّوراتي والمعنى الذي يعتقد المؤوِّل في إطار هذه الاستراتيجية أنَّ هذا النَّصَّ مُنِحَه لأنَّه من إلهام إلهي. هذا المعنى الإلهي هو نصٌّ في ذاكرة المؤوِّل، وقد سماه تودروف، تبسيطًا، نص العقيدة المسيحية. ونحن نرى أنَّ نصَّ ذاكرة المؤوِّل هذا هو، من قبلُ ومن بعدُ، نسق شمولي من التَّفسيرات والأحكام المتعلِّقة بوجود العالم والوجود في العالم. وقد وصفنا هذا النَّسق بالشُّمولي لأنَّه، على عكس أنساق التَّفسير والأحكام العلمية الجزئية، ينزع إلى أن يجعل كلَّ مناحي الوجود وأبعادَه وظواهرَه مفسّرًا تفسيرًا كليًّا وشاملاً ودالاً. هذه التَّفسيرات والأحكام التي تشكِّل الأنساق الشُّمولية وترسم إلى حدٍّ كبير مسارات التَّفكير لدى المؤوِّل والبلاغي على السواء هي ما نطلق عليه القبليَّات. والأكيد أنَّ القبليَّات ليست مقصورة على مؤوِّل أو بلاغي دون آخر، فلكلٍّ قبليَّاته.

لكن كيف يجوز أن نتحدَّث عن قبليَّات البلاغة كما نتحدث عن قبليَّات التَّأويل وقد دعَّمنا في غير ما مناسبة من هذا البحث الرَّأي القائل بالطبيعة العلمية للخطاب البلاغي؟ هل ثَمَّ مشروعية، مثلاً، لإثارة بعض المبادئ التي وجَّهت وتوجِّه الكثير من البلاغيين والمؤولين - مبدإ التَّفضيل البلاغي والعقلي والديني لعرق دون عرق على سبيل المثال - في بحث مخصَّص للبلاغة؟ فحتى لو فرضنا أنَّ القدماء على اختلاف شعوبهم وقبائلهم اختلط لديهم العلم بغير العلم فإنَّ ذلك لا يبرِّر الاستمرار في طرح قضايا بالية لم يعد بالإمكان أن تجد المستند لا في حقل العلم ولا في مجال القيم ولا حتى في ميدان السياسة.

الجواب عن ذلك نوجزه في النقاط الثلاثة التالية:

1.    إنَّ تدخل القبليَّات والمسبقات في حقل العلم ليس خاصًّا بالقدماء وليس دائمًا فعلاً إراديًّا متحكَّمًا فيه. ذلك أنَّ العالِم لا يفكِّر:

خارج كلِّ التزام؛ وكلُّ نشاط مفهومي أو تجريبي ينطبع بخصوصيات الالتزام الذي يفرض عادات في التَّفكير والاستحسان والاقصاء. ولا مجال للحديث عن انفصال بين الالتزامات المذهبية ومجال الفاعلية العلمية، لأن المجالين مترابطين ارتباطًا عضويًّا كما كتب ه. مَرگوليس: «لا توجد الاعتقادات في شكل حجرات مفصولة بواسطة جدران، يكون في الذِّهن قسم للدين، وآخر للأعمال، وهكذا. ومن هنا فإنَّه، بالتَّأكيد، لا بدَّ أن تؤثِّر اعتقاداتنا حول موضوعات خارجية بالنَّسبة للعلم على أحكامنا حول ما يبدو أنه قريب من الحقيقة في العلم (وكذلك العكس)». فالعناصر المكوِّنة للعلم، والتي تكوِّن الاعتقاد متداخلة ممتزجة، من الصَّعب تسطير حدود بينها. والاصطدام الذي يعرفه الجدال بين العلماء لا يكون بين العلم والاعتقاد، بل بين فرضيات؛ وتندرج كل فرضية في سياق تصوُّر أشمل يتحكَّم في اختياراتهم. أما تغير "عادات الذهن" فإنَّه لا يتم بالضَّرورة في ضوء نتائج استدلال أو اختبار فقط، بل تتحكَّم فيه المصالح والمطامح كذلك، ولو بدرجة أقلّ[1].

2.    إنّ ما يُورَث من القدماء في مجال ثقافي ما ليس مما يمكن أن يحفظ في خزائن خاصَّة تُفتح ويُستخرج منها على قدر الحاجات والإرادات، لأنه، ببساطة، من أساسيَّات ما يشكل ذوات ولغات الوارثين.

3.    ثَمَّ حاجة وإمكانية إن لم يكن للتَّحرر من القبليَّات فعلى الأقلِّ لمساءلة ما هو ضارٌّ منها ونقده وحقنه بمضادَّات تحدُّ من مفعولاته وآثاره. فإذا ساغ هذا فلننعطف لمناقشة بعض القبليّات التي تحكّمت -وما تزال- في توجيه خطاب البلاغة وخطاب التَّأويل في حقل الثَّقافة العربية.

1. 1. التَّفضيلُ البَلاغي والعَقلي والدِّيني لعِرقٍ دون عِرْق:

1. 1. 1. طه عبد الرحمان ومبدأُ التَّفْضيل التَّداولي العامُّ:

من المبادئ التي يعتقد البعض أنها لازمة لاستمرار الثَّقافة وبقاء الأمَّة في المجال الثقافي العربي "مبدأ التَّفضيل التَّداولي العامُّ" الذي صاغه وأوضحه ودافع عنه الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان. فقد صاغ هذا المبدأ على الوجه التالي:

ليس في جميع الأمم، أمة أوتيت من صحة العقيدة وبلاغة اللسان وسلامة العقل مثلما أوتيت أمة العرب تفضيلاً من الله[2].

وأوضحه بأنْ قال:

1) في ما يتعلَّق ببلاغة اللِّسان ورد في النصوص التراثية أنَّ «العرب يفضلون غيرهم بما أوتوا من بيان اللِّسان». و«الحجة القاطعة التي تستند إليها الممارسة التراثية في ذلك، هي أن القرآن نزل بلغة العرب ولم ينزل بلغة غيرهم، وأتى فيها بأساليب بيانية يعجز عنها الخلق جميعًا، وتوسل بها في تبليغ تشريع إلهي جديد، بل وفي إقامة الدليل على صحة هذا التشريع وعلى ربوبية المشرع وعلى نبوة المبلغ[3]

2) وفي ما يتعلَّق بصحَّة العقيدة ورد في النصوص التراثية أنَّ «العرب رزقوا دينًا لم يرزقه غيرهم». وأدلَّة الممارسة التراثية على ذلك يقول طه عبد الرحمان «بالغة التنوع؛ فقد تستمد من طبيعة الأحكام الشرعية التي ينسب إليها كمال الشمولية وسداد الواقعية وتمام الحيوية وما إلى ذلك؛ أو تؤخذ من الوضع الزماني للدين، إذ أنه أتى مكملاً للأديان السابقة وانتصب خاتمًا للشرائع السماوية؛ كما تستمد من شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو أفضل الأنبياء وسيد العالمين، حتى استحق أن يكون ظهور رسالته هو المقصود من وراء مجيء كل الرسائل السابقة[4]

3) أمَّا في ما يتعلَّق بسلامة العقل فقد ورد في النُّصوص التراثية أنَّ «العرب أوتوا رجاحة في العقل لم تتقدم لغيرهم»، وتستدلُّ الممارسة التُّراثية على ذلك بأنَّ للعرب بالطبع فطرة صحيحة وفراسة فائقة، وبأنهم جبلوا على سديد الحكمة وكريم الفضيلة، وخصوا بشرع زاد منطقهم الموهوب، صفاء وكمالاً، وبلسان زاد نطقهم الطبيعي، تصرفًا واتساعًا، حتى إنهم إذا عبروا عن أغراض غيرهم، معارف ومقاصد، كانوا أوفى بها من هؤلاء، والأمة التي تكون لها أسلم الفطر المعتضدة بأكمل الشرائع، والمتذرعة بأبين الألسن، لا بد أن تكون أعقل الأمم[5] وليس، بعد هذا، مما يمكن أنْ يفوت طه عبد الرحمان أنَّ بعض النصوص التراثية سبقت وجمعت ما تشتَّت في غيرها مما رُزِقه العرب من تفوق لسانٍ وصحَّةِ عقيدةٍ ورجاحة عقلٍ لتستدل على تفوق العرب على كلِّ أنواع جنس الإنسان.[6]

أما دفاعه عنه فكان على النحو التالي:

ولا يضرنا ما يقال من أن ما نسبه العرب إلى أنفسهم أو نسب إليهم من تفوق على غيرهم كان نتيجة التصارع العنصري بين الروم والفرس والهند والعرب، هذا التصارع الذي دارت رحاه في المجتمع الإسلامي العربي منذ أواخر الخلافة الأموية، والذي قادته الحركة الشعوبية بعملها الدؤوب على تقويض الحكم العربي؛ ذلك أن شعور العربي بهذا التفوق التداولي سابق على ظهور هذه الحركة، فشعوره بالامتياز اللغوي تمتد أصوله إلى المنتديات والمحافل التي كانت تشهد أشد التباري بين الشعراء والخطباء في العصر الجاهلي؛ وشعوره بالامتياز العقدي تولد في قلبه لما خص به من نزول أفضل الشرائع الإلهية على قومه مع تكريمه بالأمر بنقلها إلى العالمين؛ وأما الشعور بالامتياز العقلي، فهو متفرع من الامتيازين السابقين، فمن تكون له أفضل شريعة وأفضل لغة، لزم أن تكون له أفضل معرفة ما دام يستمد مضامين هذه المعرفة من أحق الحقائق التي جاءت بها أصدق شريعة، ويستمد وسائل هذه المعرفة من أبلغ الأساليب التي انطوت عليها لغته.

ولا ضرر في أن يستولي على العربي الإحساس بالتفوق، لأن هذا الإحساس مقيد عنده بما لم يقيد به عند الغير؛ فإن كان هذا الشعور قد ينقلب عند الغير إلى آفة عنصرية تأتي بالشر لمن عداه، فإنه عند المسلم العربي محفوظ من الانعطاف على صاحبه وعلى غيره بالشر بسبب ارتباطه بأحكام الشرع التي تصده صدا عن كل ما يؤذي هذا الغير. وعليه، فإن الأفضلية التداولية التي ينسبها العربي إلى ممارسته التراثية أفضلية طبيعية لا غرابة فيها ومصونة لا سوءة فيها.[7]

لنبتدئ في ما يخصُّنا بمساءلة توضيحات طه عبد الرحمان للتَّفضيل التراثي للعرب بلاغةً وعقيدة وعقلاً قبل أن نعود لمناقشة صياغته لهذا التفضيل ودفاعه عنه، بل ورفعه له إلى مستوى المبدأ العامِّ الذي ينبغي أن يستمرَّ في توجيه نظر وعمل المنتمين لحقل الثَّقافة العربية.

1. 1. 2. مُساءَلةُ مَسْلك طه عبد الرحمان في تَوضيح وصيَّاغة مبدئه ودِفاعه عَنه:

1.2.11. مُساءَلَةُ التَّوضيحات:

قال الفيلسوف إنَّ العناصر التي رَكَّب منها ما اصطلح عليه بـــ «مبدإ التَّفضيل التَّداولي العام» هي عناصر مستمدة من النصوص التراثية، فهي مذكورة فيها متفرِّقة في بعضها ومجتمعة في بعضها الآخر. ثم أورد الحجج التي دعَّم بها القدماء دعاواهم واصفًا ما يدلُّ منها على أفضليَّتهم اللسانية بالقاطعة، وما يدلُّ منها على أفضليَّتهم العقدية بالغاية في التَّنوع. أمَّا الحجج على الأفضلية العقلية فلا يصفها بل يوردها ويؤكِّدها بالقول إنَّ من يمتلك أسلم فطرة وأكمل شريعة وأبين لسان لا بدَّ أن يكون أعقل من غيره.

ونحن لا نخالف في أَنَّ في النصوص التراثية العربية تفضيلاً للعرب عقلاً وبلاغة وعقيدة. بل إنَّ من الممكن التَّشديد على أنَّ من النادر أن يخلو منه نصٌّ من تلك النصوص. وهو ما يعني أنَّ التراث يشهد، فعلاً، لهذا الرأي ويدلُّ عليه. ونحن عازمون على مناقشة بعض ما ورد من ذلك في حقل البلاغة. أمَّا هنا فإنَّنا نقول إنَّ ورود هذا التَّفضيل في النصوص التراثية لا يبرِّر القول بوجوب رفعه إلى مستوى المبدإ التداولي العام الذي ينبغي أن يستمرَّ في توجيه التَّفكير والسلوك في إطارنا الحضاري حتى تحت ذريعة تحريك همَّة المنتسب إليه لينهض بأسباب الإنتاج المبثوثة في تراثه فينفع غيره بقدر ما ينفع نفسه.[8] وذلك لثلاثة اعتبارات على الأقل:

1) يتمثل الأوَّل في ما أكد عليه هذا الفيلسوف نفسه من أنَّ مجال التداول ليس من المطلقات التي يمكن أن تتَّصف بدوام الثَّبات، بل هو متغيِّر حتى وإن كان تغيُّره يقع في أدنى الدرجات ويتم بشكل تدريجي ووفق قوانين خاصَّة.[9]

2) ويتمثَّل الثَّاني في أنَّ تغيُّر بنية مجال التداول لا تخضع لحتمية بالغة الصَّرامة على نحو ما يمكن أن يفهم من قوله بأنَّ مجال التَّداول «يعلِّق تغيُّره بالتغير الموجَّه (بفتح الجيم المشددة) للظواهر الثقافية التي تسترشد به[10] والدليل عليه أمران: الأول استفراغ طه عبد الرحمان نفسه الوسع لتوجيه قراءات التراث؛ والثاني إيمانه بإمكان تنشيط إرادات من يسميهم بالمنتسبين للممارسة التراثية حتى ينهضوا بأسباب التَّجديد والتَّسديد والتَّوجيه.

3) ويتمثَّل الثالث في ورود آراء أخرى متفرقة في النصوص التراثية غير هذا الرَّأي الذي صار، وحده، عند هذا الفيلسوف مبدأ موجِّهًا. وهذا ما سنتوقف عنده في الفقرة الموالية.

2.2.1.1. مُساءَلَةُ الصياغَة:

أوردنا أعلاه "مبدأ التَّفضيل التَّداولي العام" على الوجه الذي صاغه عليه صاحبه. وفيه أنَّ العرب يفضلون غيرهم عقيدة وبلاغة وعقلاً بفضل الله وعنايته: فقد أوتوا من صحَّة العقيدة وبلاغة اللِّسان وسلامة العقل ما لم يؤته غيرهم تفضيلاً من الله. يبتدئ طه عبد الرحمان، كما هو بيِّن، بالعقيدة ويثني بالبلاغة ليختم بالعقل. وهو ترتيب لا يخلو من دلالة: فالابتداء بالعقيدة يجعل الأفضلية البلاغية والعقلية التي ينسبها إلى العرب من باب الدِّين. وليس هذا من قبيل الاستنباط فالفيلسوف يؤكِّد بصحيح اللفظ وصريح العبارة أنَّ الأمر يتعلَّق بتفضيل إلهي للعرب. وعلى الرغم من الابتداء بالعقيدة فإنَّ التَّفضيل الإلهي مقصور على «أمَّة العرب» دون غيرهم من المسلمين. أمَّا نحن فلا نعتقد أنَّ من السَّداد حمل كل ما ورد في النصوص التراثية من أمر هذا التفضيل على هذا الوجه الذي اختاره الفيلسوف: نحن أفضل لأنَّ الله اختار أن نكون أفضل؛ بل نرى أنَّ الأوفق أن يحمل الكثير من ذلك على الوجه التالي: قال قدماء العرب والمسلمين نحن أفضل لأنَّنا تفوَّقنا على غيرنا باستفراغنا الوسع في سبيل تقوية عقولنا ومداركنا بتوسيع معارفنا وتهذيب لغتنا. فأبو سليمان أستاذ أبي حيان التوحيدي الذي يحكم، وهذا مجرد مثال، بألاّ بلاغة أحسن من بلاغة العرب يرجع سبب حكمه لا إلى التَّفضيل الإلهي بل إلى أوصاف عامَّة للغة العربية اعتقد أنَّه حصَّلها من المقارنة بينها وبين ما سمعه من لغات؛ بل وصرَّح بنسبية حكمه لأنَّ مبناه على ما ظهر له وخيِّل إليه.[11] وإلاَّ فإنَّ أمر المفاضلة بين اللُّغات والبلاغات (جمع بلاغة) مما «لا يبين إلاَّ بأنْ نتكلَّم بجميع اللُّغات على مهارة وحذق، ثم نضع القسطاس على واحدة واحدة منها حتى نأتي على آخرها وأقصاها ثم نحكم حكمًا بريئًا من الهوى والتَّقليد والعصبية والمين، وهذا ما لا يطمع فيه إلا ذو عاهة».[12] وعبد القاهر الجرجاني، وهذا مجرَّد مثال أيضًا، يقيِّد الأفضلية التي ينسبها إلى العرب في الكثير من الأحيان بجعلها مرتبطة بزمانهم، فيقول مثلاً: «.. فكيف بقوم هم أرجح أهل زمانهم عقولاً، وأكملهم معرفة، وأجزلهم رأيًا، وأثقبهم بصيرة..»[13] وفرقٌ كبير بين أن نقول إن سبب التَّفوق هو الكدُّ والسَّعي وبين أن ندَّعي أنَّ الاجتهاد نفسه أمر إلهي وشريعة دينية، وشتَّان بين من ينطلق من أنَّه مختار مفضَّل وبين من ينطلق من أنَّ «الخيرات والفضائل والشرور والنَّقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضة بين كلِّهم».[14]

3.2.1.1. مُساءَلَةُ الدِّفاع:

أبرزنا في الفقرة السَّابقة أنَّ "مبدأ التَّفضيل التَّداولي العامَّ" يقول إنَّ تفوق العرب العقدي والبلاغي والعقلي تفوُّقٌ يؤول إلى التَّفضيل الإلهي للعرب. ليس صاحب هذا المبدإ هو من يقوم بالتَّفضيل، بل الله. أما صاحب المبدإ فلا يفعل أكثر من الكلام والتَّشديد على ما هو قائم في الواقع وفي كتب القدماء. ويبلغ هذا الإدعاء مداه حين يرفض الفيلسوف حجة من حاول البحث عن عذر لمن نسب إلى العرب التَّفوق على غيرهم فزعم أنَّ ذلك «كان نتيجة التَّصارع العنصري بين الروم والفرس والهند والعرب، هذا التَّصارع الذي دارت رحاه في المجتمع الإسلامي العربي منذ أواخر الخلافة الأموية، والذي قادته الحركة الشعوبية بعملها الدؤوب على تقويض الحكم العربي». ذلك أنَّ التَّفوق، بالنسبة إليه، أمرٌ إلهي والشعور به سابق على الحركة الشعوبية، والدليل على قدامة هذا الشعور بالتفوق «المنتديات والمحافل التي كانت تشهد أشد التباري بين الشعراء والخطباء في العصر الجاهلي». لكن لِمَ يجعل طه عبد الرحمان التَّفوق اللِّساني والبلاغي للعرب أمرًا لا علاقة له بردِّ الفعل على الحركة الشعوبية، بل وسابقًا مستقلاّ حتى على الشعور به من طرف العرب أنفسهم؟ والجواب أنَّ الفيلسوف إنما يستعمل هنا ما قاله بعض القدماء من أنَّ الله خصَّ العرب بالعارضة والبيان واتساع المجال «لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوَّته بالكتاب» كما يقول ابن قتيبة مثلاً.[15] فيكون اللهتعالى عن ذلك- قد قوَّى العرب ليقوم، بعد ذلك، بتعجيزهم حتى يؤمنوا به ويُسلِّموا لرسوله. وهو ما يجعل التَّعجيز تعجيزًا لنفس القوم الذين قواهم وآثرهم، بل ومتعلقًا بنفس ما قواهم عليه وآثرهم به: البلاغة!

في الفقرات التي تحدَّث فيها طه عبد الرحمان عن المعايير المرشِدة للقواعد التَّداولية التي أدرجها في إطار مبدإ التَّفضيل التَّداولي العام أورد الاعتراض المحتمل على معيار التفضيل -قسيم معيار التَّسليم ومعيار التَّمييز عنده- الذاهب إلى أنَّه معيارٌ «غير موفق» لأنَّ من شأنه أنْ «يؤدي إلى إثبات الذات الإسلامية العربية بوجه يضر بالذوات التراثية غير العربية وغير الإسلامية»،[16] ذلك أنَّ لا شيء يمنع «من أن تقيم نفسها سيدًا وحاكمًا على» الغير إذا ما ادعت أنها أفضل منه؛[17] وردَّ على هذا الاعتراض بأن منع «وجود الضرر في تفضيل الممارسة التراثية الخاصة»[18] وبين أنَّ الشعور بذلك التَّفضيل، على العكس من ذلك تمامًا، نافعٌ من كلِّ الوجوه: فهو نافع للمنتسب إلى الممارسة التراثية لأنَّه يحصِّل لديه الثقة فيها، فيندفع «إلى النهوض بأسباب الإنتاج المبثوثة فيها وبسبل الإمداد الممهَّدة فيها، فتكثر مظاهر التَّواصل وتتعدَّد أشكال التَّفاعل بينه وبين شركائه في هذه الممارسة، مما يقوي الهوية التداولية»؛[19] وهو نافع، أيضًا، لغير المنتسب لتلك الممارسة لأنَّ منفعته في قوة المنتسب إليها الذي لا تكتمل هويته التداولية إلا «بأن تقتدر على العطاء أكثر من اقتدارها على الأخذ؛ ومتى فاق عطاؤها أخذها، نهضت بمنفعة الغير كما تنهض بمنفعة الذات، وأقرت بمبدإ الغيرية كما تقر بمبدإ الهوية»[20]

فهل يجوز لفلاسفة آخرين أن يفضِّلوا لغاتهم وعقولهم على ما عداها؟

يؤكد طه عبد الرحمان أنَّ ذلك جائز بدلالة واحدة: أن يقصد الفيلسوف إلى أنَّه إنما يفضِّل لغته لأنها اللُّغة التي تمده بتاريخه الفلسفي وتمكنه من «تحقيق وجوده الفكري»،[21] «فيكون هذا التفضيل أمرًا إضافيًا، إذ تكون كل لغة خيرًاواقعًا وتراثًا- من غيرها بالإضافة إلى كل من تعاطى للإبداع الفلسفي بواسطتها».[22] أمَّا أن يقول الفيلسوف إنَّ لغته أفضل من غيرها فيرسل «هذا التفضيل إرسالاً ويورده على وجه الإطلاق»[23] فأمرٌ «لا يجوز البتة»؛[24] ثم يقدِّم حججًا عقلية بالغة القوَّة على عدم جواز ذلك.[25] بيد أنَّ طه عبد الرحمان القائل بعدم جواز التَّفضيل المطلق، المستدل على خطإ من يرسل تفضيلاته إرسالاً هو نفسه من يحكم بالأفضلية المطلقة للعرب عقيدة وبلاغة وعقلاً ويرسل تفضيلاته من غير خطام أو لجام. فإذا كان العقل يمنع التَّفضيل المطلق، فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ التَّفضيل المطلق لا يجوز أن تقوم له قائمة؛ بل يكفي أنْ يقرِّر فقيه الفلسفة أنَّ الفصل في أمر التَّفضيل لا يعود إلى العقل، بل إلى الدِّين حتى يصير التفضيل المطلق غير الجائز أمر واجبًا لا مفر منه. هذا، بالضبط، ما يقول طه عبد الرحمان بصريح اللفظ وفصيح العبارة: هناك «سلطة فوق طور العقل هي التي تتولى الفصل في هذا التفضيل[26] لذلك قلنا في الفقرة السابقة إنَّ تفضيل العرب على غيرهم تفضيل إلهي، أمَّا صاحب مبدإ التَّفضيل التداولي العام فلا يفعل أكثر من التقاط حقيقة قائمة موجودة في الواقع وفي كتب القدماء. لكن هذا التفضيل الديني وفوق- العقلي يفتقر، مع ذلك، إلى أن يُدافَعَ عنه بما دونه، أي بالعقل. فالقول بأنَّ الإحساس بالتفوق عند غير العربي ضارٌّ لأنَّه ينعطف على صاحبه وعلى غيره بالشَّر، والإحساس بالتفوق عند العربي نافع لأنه طبيعي مرتبط بالتَّفضيل الإلهي، ومقيَّد بأحكام الشَّرع المانعة من السقوط في آفة العنصرية، ترتيب لحيل عقلية يكون من السَّداد والرَّشاد القول إنها تضرُّ الذَّات وتضرُّ الغير من غير أن تفيد الدين. نقول تضرُّ الذَّات لأننا لا نرى كيف يمكن لمن آمن بأنَّه مفضَّل مختار بمنة من الله قبل السَّعي وقبل استفراغ الوسع في سبيل تقوية ذاته وتحسين قدراته أن يقتنع بجدوى العمل؛ ونقول تضرُّ الغير لأنَّنا لا نرى، أيضًا، كيف يمكن لمن يعتقد أنَّه المفضَّل المختار أن يحترم الآخر فلا ينظر إليه على أساس أنه مخلوق مسخَّر لخدمته والسهر على راحته؛ ونقول بأنَّ هذه  الحيل العقلية لا تفيد الدين لأنها تُشْرب المنتمين إليه قيم التَّواكل واستصغار الناس والخلق. ولا نعتقد أنَّنا نجانب الإنصاف إنْ قلنا إنَّ على من يتصدَّى للنظر في مثل هذه المشكلات ألاَّ يُقْصِر همَّه على مجرَّد ترتيب الأحكام الذهنية المجرَّدة في كلامه ترتيبًا متَّسقًا ومنسجمًا كما هو الشأن في كلام فقيه الفلسفة الجليل طه عبد الرحمان الذي نناقشه هنا. ونحن نورد، هنا، غيضًا من فيض ما سجله ابن خلدون في مقدمته مما يمكن أن يُستدل به على خطورة ما رتَّبه ونسَّقه من أحكام؛ ذلك أن القول بأننا مفضَّلون مختارون بشكل طبيعي وأنَّنا ننفع غيرنا ولا نضرَّه لأنَّ أحكامنا الشرعية تمنعنا من الإساءة إليه إنما هو، حسب ما نقدر، نفس قول من شرَّعوا للاستعمار تحت عنوان الواجب، واجب حماية الشعوب الضعيفة وتنميتها. ولا بد أن ننبه هنا إلى أن إيرادنا لهذا المقتطف لا يستتبع الأخذ بالتفسيرات والتعليلات التي يقدِّمها ابن خلدون للظواهر التي يصفها ويعمل على تسجيلها. لنقرأ وصفه لبعض العادات الشنيعة في المجال العربي الإسلامي التي لم يثن أصحابها عنها دينٌ ولا أحكام شرعية:

.. وأيضًا فطبيعتهم [العرب] انتهاب ما في أيدي الناس، وأنَّ رزقهم في ظلال سيوفهم. وليس عندهم في أخذ أموال الناس حدٌّ ينتهون إليه، بل كلما امتدت أعينهم إلى مال أو متاع أو ماعون انتهبوه. فإذا تم اقتدارهم على ذلك بالتغلُّب والملك بطلت السياسة في حفظ أموال الناس وخرب العمران.

وأيضًا فلأنهم يتلفون على أهل الأعمال من الصنائع والحرف أعمالهم، لأنهم لا يرون لها قيمة ولا قسطًا من الأجر والثَّمن، والأعمال كما سنذكره هي أصل المكاسب وحقيقتها، وإذا فسدت الأعمال وصارت مجانًا، ضعفت الآمال في المكاسب، وانقبضت الأيدي عن العمل وابْذَعَرَّ الساكن، وفسد العمران.

وأيضًا فإنهم ليست لهم عناية بالأحكام وزجر الناس عن المفاسد ودفاع بعضهم عن بعض، إنما همُّهم ما يأخذونه من أموال الناس نهبًا أو مغرمًا، فإذا توصَّلوا إلى ذلك وحصلوا عليه، أعرضوا عما بعده من تسديد أحوالهم والنظر في مصالحهم وقهر بعضهم عن أغراض المفاسد. وربما فرضوا العقوبات في الأموال حرصًا على تحصيل الفائدة والجباية والاستكثار منها كما هو شأنهم، وذلك ليس بمغن في دفع المفاسد وزجر المتعرِّض لها، بل يكون ذلك زائدًا فيها لاستسهال الغرم في جانب حصول الغرض، فتبقى الرَّعايا في ملكتهم كأنها فوضى دون حكم. والفوضى مهلكة للبشر مفسدة للعمران..

وأيضًا فهم متنافسون في الرّياسة، وقلَّ أن يسلِّم أحد منهم الأمر لغيره ولو كان أباه أو أخاه أو كبير عشيرته، إلاَّ في الأقلِّ وعلى كره من أجل الحياء، فيتعدد الحكام منهم والأمراء، وتختلف الأيدي على الرعية في الجباية  والأحكام، فيفسد العمران وينتقص.[27]

1. 2. تَفْصيلُ القَول في التَّفْضيل:

يقولُ طه عبد الرحمان بصحَّة النَّظر العقلي ويؤكّد عليه. غير أنَّه يستفرغ الوسع، مع ذلك، وبشكل مستمرٍّ، ليبين، بصرامة استدلالية نادرة، أنَّ العقل يفتقر إلى ما يوجِّهه من خارج حتى لا يضلَّ في عالم الشَّك إنْ لم يقف نقده عند حدٍّ. إنَّ العقل يحتاج إلى تأسيس، وتأسيسه «يوجب علينا الخروج عن طور العقل»،[28] ليس إلى مخاصمته، ولا إلى محايدته، بل إلى مجاوزته. ومجاوزة العقل «خروج إلى طور في الإدراك يفوق طور العقل».[29] لهذا فإنَّ العقل لا يمكن أن يكون فيصلاً ليس في الماورائيات فحسب، بل إنَّه لا يمكن أن يكون كذلك حتى في مشكلات عقدية وبلاغية وسياسية وأخلاقية مما يعود إلى التَّعايش والتَّدافع البشريِّين. ففي شأن تفضيل أمَّة على أمَّة -وهل من ضرٍّ في ترك أمر هذا التَّفضيل المطلق؟- يُرجع أمر الفصل في التَّفضيل إلى سلطة أو طور فوق طور العقل. إلاَّ أنَّ ما يقوله ويدَّعيه ليس مطابقًا للطريق الذي اختطه وسار فيه لإثبات ذلك: فهو لا يسلك، كما سبق أن أشرنا، طريق طور ما فوق العقل، بل سلك طريق العقل. وحتى إذا كان العقل الذي ارتضاه وحكَّمه هو العقل المؤيَّد باصطلاحهوهو أعلى درجات العقل عنده- فإنَّه يبقى عقلاً. والعقل عندهكما أوردنا- طور فوقه طور آخر، فكيف يَسْتَدُّ تحكيم الأدنى في الأرقى؟ أما نحن فنعتقد أنَّ ذلك مما لا يَسْتَدُّ إلا بأن نُقِرَّ إقراراً بألاَّ أحد يملك طريقًا للعلم غير طريق النَّظر العقلي: فهو الدليل إلى العلم بكلِّ ما ننظر فيه من مشكلات علمية أو دينية أو فلسفية أو غيرها.

وطريق العقل لا يُجَوِّز البتَّة، يقطع طه عبد الرحمان نفسه، للفيلسوف أن يورد تفضيله للغته على وجه الإطلاق.[30] ونحن إنما نضيف أنَّ طريق العقل لا يجوِّز، أيضًا، لا للفيلسوف ولا لغيره، أن يورد تفضيله لعرقه على وجه الإطلاق. والكلام على هذا نرتِّبه على وجهين: مجملٌ ومفصَّل. أما المجمل فلا نزيد فيه على اقتطاف بعضٍ مما ورد مجتمعًا في نصوصٍ من التراث، وبالضبط في "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التَّوحيدي في سياق جوابه عن السؤال الذي وُجِّه إليه عمَّا إذا كان يُفضِّل العرب على العجم أم العجم على العرب. يقول أبو حيان في حوار اللَّيلة السادسة من كتاب "الإمتاع":

-       «لكلِّ أمَّة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن ومساو، ولكلِّ طائفة من النَّاس في صناعتها وحلّها وعقدها كمالٌ وتقصير؛ وهذا يقضي بأنَّ الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مفاضة على جميع الخلق، مفضوضة بين كلِّهم..»[31]

-       والفضائل في الأمم «ليست لكلِّ واحد من أفرادها، بل هي الشَّائعة بينها؛ ثم في جملتها من هو عار من جميعها، وموسوم بأضدادها..»[32]

-       ثم إنَّ «كلَّ أمَّة لها زمان على ضدِّها..»؛[33]

وأمَّا المفصَّل فنبين فيه موانع إرسال الأحكام على وجه الإطلاق، ونحدِّد، بعده، متى وكيف يمكن للمفاضلات أن تكون مما ينفع الناس:

سبق أنْ حكمنا بأنَّ القول «إنَّ اعتقادي بأنني أفْضَل لأن الله اختار أن أكون كذلك يُنهضني للعمل فأنفع نفسي وأنفع غيري بقدر نفعي لنفسي» قول مرسلٌ مجرَّد سائب لا شيء يمنع من مناقضته بالقول «إنَّ اعتقادي بأنَّني مفضل مختار قبل استفراغي الوسع في سبيل تقوية ذاتي وتحسين قدراتي من شأنه أن يجعلني أكفر بجدوى العمل فأميل لتسخير الآخرين واستخدامهم، وهذا يضرُّني ويضرُّ غيري ولا ينفع في تجويد صورة الدِّين في تمثُّلات الناس». ولا نقف، هنا، عند حدِّ بيان إمكان المناقضة، بل ندَّعي أنَّ هذا القول الذي ناقضنا به الأول هو أسَدُّ وأرشد منه. هو أسدُّ لأنَّه 1) يستثمر بعض طبائع النفس البشرية التي يعرف عامَّةُ الناس قبل علمائهم أنها لا تنتهض للعمل من دون دوافع وحوافز 2) وينفتح على "فن التاريخ" الذي يطلب منا طه عبد الرحمان أن نعلم أنَّه «أصيل في الحكمة (التشديد من طه عبد الرحمان) وجدير بأن يعدَّ في علومها» كما يقول ابن خلدون؛[34] وقد علمنا ذلك وعملنا به فاستشهدنا ببعض ما ورد في مقدمة كتابٍ واحدٍ من كتب التاريخ فتبينا خطورة الاقتصار على ترتيب الأحكام المجرَّدة وتنسيقها على من يتصدَّى لمعالجة مشكلات حياة النَّاس ووجودهم في العالم. وهو أرشد لأنَّه 1) يدفع، بدون مواربة، في اتجاه مراعاة مصلحة الغير بقدر مراعاة مصلحة الذّات 2) ويعرِّف الناسَ أنهم عند الله، قبل السّعي واستفراغ الوُسْع، كأسنان المشط، فيجوِّد صورة الدِّين في تمثُّلاتهم بفعل تعليقه الأفضلية بالاستحقاق.

إلاَّ أنَّ طه عبد الرحمان آثر أن يضع في مقام المبدإ التَّداولي الأصلي الذي اشتق منه كلَّ قواعده التَّداولية مبدأه الخاص بتفضيل العرب تفضيلاً مطلقًا؛ وأن يؤكِّد أنَّه استخرج عناصر ذلك المبدأ من نصوص التّراث! وقد توقَّفنا بعض التوقف عند توضيحاته لذلك، وعند صياغته لما استخرجه من نصوص التُّراث، وعند دفاعه عن مذهبه في التَّفضيل. فتبينا من خلال مذهبه في انتقاء ما أخذ من نصوص التراث وفي صياغته وتنسيق استدلالاته عليه أنَّه يتعلَّق بالتَّدليل على الوجه الذي يصطنعه المنطق، أي التدليل بالتشبث الصَّارم بالانطلاق من مسلَّمات مخصوصة والحرص على الانتقال المنهجي خطوة خطوة للوصول إلى النتيجة. ومعلوم أنَّ المنطق علم في غاية النَّفع، لكنه، أيضًا، غاية في التجريد. وهو وإنْ كان مفيدًا لكلِّ العلوم فهو ليس كلَّ العلم. فالفيزيائي، وهذا مجرد مثال، لا يحتاج في حقل تخصُّصه إلى أن يضع أيَّ مسلمة لينتقل منها بخطوات منهجية إلى وجود الجاذبية؛ ذلك أنَّ سقوط الجسم هو نفسه دليل عنده على وجودها. أمَّا إذا أردنا أن نورد اعتراضنا على تعلُّق طه عبد الرحمان بهذا النوع من التَّدليل بالاقتطاف من نصوص التراث فلن نجد أفضل من ابن تيمية. يقول ابن تيمية الذي يُنكر على المنطقين جعلهم العلم الرياضي أشرف من العلم الطبيعي: «إذا كان "البرهان" لا يفيد إلا